تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
أن يحفظها من الشيطان ، وأن يجعلها من الصالحات القانتات . قال القرطبي : « معنى قوله :
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ
يعني خادم الرب - بلغتهم -
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ
مريم .
وَذُرِّيَّتَها
عيسى . وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصّة » . قوله :
فَتَقَبَّلَها رَبُّها
الجمهور على
فَتَقَبَّلَها
فعلا ماضيا على « تفعّل » بتشديد العين - و
رَبُّها
فاعل به ، وتفعل يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون بمعنى المجرّد - أي فقبلها - بمعنى رضيها مكان الذّكر المنذور ، ولم يقبل أنثى منذورة - قبل مريم - كذا ورد في التفسير ، و - « تفعّل » يأتي بمعنى « فعل » مجرّدا ، نحو تعجب وعجب من كذا ، وتبرّأ وبرىء منه . والثاني : أن « تفعل » بمعنى : استفعل ، أي : فاستقبلها ربّها ، يقال : استقبلت الشيء أي : أخذته أول مرة . والمعنى : أن اللّه تولّاها من أول أمرها وحين ولادتها . ومنه قول الشاعر : [ الوافر ]
1419 - وخير الأمر ما استقبلت منه * وليس بأن تتبّعه اتّباعا « 1 »
ومنه المثل : خذ الأمر بقوابله . و « تفعّل » بمعنى « استفعل » كثير ، نحو : تعظم ، واستعظم ، وتكبر ، واستكبر ، وتعجّل واستعجل . قال بعض العلماء : « إن ما كان من باب التفعّل ، فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل ، كالتصبّر والتجلّد ، ونحوهما ، فإنهما يفيد أن الجدّ في إظهار الصبر والجلد ، فكذا هنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبول » . فإن قيل : فلم لم يقل : فتقبلها ربّها بتقبّل حسن ، حتى تكمل المبالغة ؟ فالجواب : أنّ لفظ التّقبّل - وإن أفاد ما ذكرنا - يفيد نوع تكلّف خلاف الطبع ، فذكر التقبل ، ليفيد الجد والمبالغة ، ثم ذكر القبول ، ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع ، بل على وفق الطبع ، وهذه الوجوه - وإن كانت ممتنعة في حقّ اللّه تعالى - تدل من حيث الاستعارة - على حصول العناية العظيمة في تربيتها ، وهو وجه مناسب . والباء - في قوله : « بقبول » - فيها وجهان : أحدهما : أنها زائدة ، أي : قبولا ، وعلى هذا فينتصب « قبولا » على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد ؛ إذ لو جاء على « تقبّل » لقيل : تقبّلا ، نحو تكبّر تكبّرا . وقبول : من المصادر التي جاءت على « فعول » - بفتح الفاء - قال سيبويه : خمسة
هامش
( 1 ) تقدم .