تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وقيل : خصّ الخير ؛ لأنّه في موضع دعاء ، ورغبة في فضله . وقيل : هذا من آداب القرآن ؛ حيث لم يصرّح إلّا بما هو محبوب لخلقه ، ومثله : « والشر ليس إليك » ، وقوله تعالى :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[ الشعراء : 80 ] . فصل الألف واللام في « الخير » يوجبان العموم ، والمعنى : [ أنّ الخيرات تحصل ] « 1 » بقدرتك ، فقوله : « بيدك » لا بيد غيرك ، كقوله :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
[ الكافرون : 6 ] ، أي : لكم دينكم لا لغيركم ، وذلك الحصر مناف لحصول الخير بيد غيره فثبت دلالة الآية على أنّ الجميع منه بخلقه وتكوينه ، وإيجاده وفضله ، وأفضل الخيرات هو الإيمان باللّه ، فوجب أن يكون الخير من تخليق اللّه لا من تخليق العبد ، وهذا استدلال ظاهر . وزاد بعضهم فقال : كلّ فاعلين فعل أحدهما أفضل من فعل الآخر ، كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر ، ولا شكّ أنّ الإيمان أفضل من الخير ، ومن كلّ ما سوى الإيمان ، فلو كان الإيمان بخلق العبد - لا بخلق اللّه تعالى - لوجب كون العبد زائدا في الخيرية على اللّه - تعالى - وذلك كفر قبيح ، فدلت الآية - من هذين الوجهين - على أنّ الإيمان بخلق اللّه تعالى . فإن قيل : هذه الآية حجّة عليكم من وجه آخر ؛ لأنه لما قال :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
كان معناه : ليس بيدك إلا الخير ، وهذا يقتضي أن لا يكون الكفر والمعصية بيده . فالجواب : أن قوله :
بِيَدِكَ الْخَيْرُ
يفيد أن بيدك الخير - لا بيد غيرك - فهذا ينافي أن يكون الخير بيد غيره ، لكن لا ينافي أن يكون بيده الخير ، وبيده ما سوى الخير ، إلا أنه خصّ الخير بالذكر ؛ لأنه الأمر المنتفع به ، فوقع التنصيص عليه لهذا المعنى . قال القاضي : « كل خير حصل من جهة العباد فلو لا أنه - تعالى - أقدرهم عليه ، وهداهم إليه ، لما تمكنوا منه ، فلهذا السبب كان مضافا إلى اللّه تعالى » . قال ابن الخطيب : « وهذا ضعيف ؛ لأن بعض الخير يصير مضافا إلى اللّه - تعالى - ويصير أشرف الخيرات مضافا إلى العبد ، وهذا خلاف النص » . وقوله :
إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكا لإيتاء الملك ونزعه ، والإعزار ، والإذلال . قوله :
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
يقال : ولج ، يلج ، ولوجا ، ولجة - كعدة - وولجا - ك « وعدا » ، واتّلج ، يتّلج ، اتّلاجا ، والأصل : اوتلج ، يوتلج ، اوتلاجا ، فقلبت الواو تاء قبل تاء الافتعال ، نحو : اتّعد يتّعد اتّعادا .
هامش
( 1 ) في أ : بقدرتك كل الخيرات .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 132 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب