تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
التي يرجع إليها العلماء في تحقيق الألفاظ وتقرير القواعد . وممن اندرج تحت لواء هذا المذهب ابن مالك ، وابن هشام ، والبدر الدماميني في شرحه ل « التسهيل » ، وابن الطيب في شرحه ل « الاقتراح » ومن أنصار هذا المذهب أيضا ابن جني ، وابن بري ، وابن فارس ، وابن خروف ، وابن سيده وغيرهم من علماء العربية الأجلاء . وفلسفة هذا الفريق المجوز تستند إلى أن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - أفصح العرب لهجة ، وأعظمهم نطقا باللغة ، وأعلمهم بالألفاظ واللهجات . وفي هذا يقول ابن حزم : « لقد كان محمد بن عبد اللّه قبل أن يكرمه اللّه بالنبوة وأيام كان ب « مكة » - أعلم بلغة قومه وأفصح ، فكيف بعد أن اختصه اللّه للنذارة واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه » « 1 » . ويرى هذا الفريق أن الأحاديث النبوية الشريفة أصح سندا ونقلا مما ينقل من أشعار العرب وكلامهم ، فمن الضروري إذا تقرير الأحكام اللّغوية على أساس هذه الأسانيد القوية التي تعتبر أقوى إسنادا من الشعر .

ثانيا : الذين منعوا الاستشهاد بالحديث

يرى هذا الفريق أنه لا ينبغي الاعتماد على الأحاديث النبوية الشريفة كوسائل ودلائل لتقرير أحكام اللغة والنحو ، وقالوا : لا يستشهد بالحديث لعدم الوثوق بأن ذلك لفظ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - . واستند هذا الفريق إلى دليلين : 1 - وقوع اللحن في كثير من الأحاديث النبوية ، وذلك لأن كثيرا من رواة الأحاديث لم ينشأوا في بيئة عربية خالصة ، ولم تستقم ألسنتهم على الألفاظ العربية القحّة ، بل توصلوا إلى العربية بالتعلم والدراسة ثمّ اندرجوا في رواية الأحاديث فلم يرووها على وجهها الصحيح الذي ينبغي ، كما خرجت من فم النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - . 2 - الدليل الثاني : هو رواية كثير من الأحاديث بالمعنى حيث إن الرواة جوزوا النقل بالمعنى ، فنجد - مثلا - القصّة الواحدة قد حدثت في زمان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولكنها تنقل بألفاظ مختلفة وروايات متعددة لا نجزم معها بأن النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - قد تلفظ بجميع هذه الألفاظ ، بل لا نجزم أنه قال بعضها ؛ إذ المحتمل أنه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قال لفظا آخر مرادفا لهذه الألفاظ ، فجاء الراوي وأتى بمعنى هذا اللفظ أو ما يرادفه ، ولم يأت باللفظ نفسه ، اعتمادا على الرواية بالمعنى . بالإضافة إلى ذلك نجد أن رواة الأحاديث كانوا يعتمدون في رواياتهم على حفظ
هامش
( 1 ) ينظر : الفصل في الملل والنّحل .