تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
وقال بعضهم : الكلّ ممكن ، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة ، فوجب التوقّف وترك القطع ، واللّه أعلم .

فصل في إعراب الآية

قوله :
وَكُلا مِنْها رَغَداً
هذه الجملة عطف على « اسكن » ، فهي في محلّ نصب بالقول ، وأصل « كل » : « اؤكل » بهمزتين : الأولى همزة وصل ، والثانية فاء الكلمة ، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل : أوكل بإبدال الثانية حرفا مجانسا لحركة ما قبلها ، إلّا أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفا ، فاستغنت حينئذ عن همزة الوصل ، فوزنه « عل » ومثله : « خذ » و « مر » ، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها ، فلا تقول : من « أجر - جر » ولا تردّ العرب هذه الفاء في العطف ، بل تقول : « قم وخذ وكل » إلّا « مر » ، فإن الكثير ردّ فاءه بعد الواو والفاء ، قال تعالى :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ
[ طه : 132 ] ، وعدم الرد قليل . وحكى سيبويه « اؤكل » على الأصل ، وهو شاذّ . وقال « ابن عطية » « 1 » : حذفت النون من « كلا » للأمر . وهذه العبارة موهمة لمذهب الكوفيين من أنّ لأمر عندهم معرب على التدريج ، وهو عند البصريين محمول على المجزوم ، فإن سكن المجزوم سكن الأمر منه ، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر . و « منها » متعلّق به ، و « من » للتبعيض ، ولا بدّ من حذف مضاف أي : من ثمارها ويجوز أن تكون « من » لابتداء الغاية ، وهو حسن . فإن قيل : ما الحكمة في عطفه هنا « وكلا » بالواو ، وفي « الأعراف » بالفاء ؟ والجواب : كلّ فعل عطف عليه شيء ، وكان الفعل بمنزلة الشّرط ، وذلك الشّيء بمنزلة الجزاء ، عطف الثّاني على الأوّل بالفاء دون الواو ، كقوله تعالى :
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها
[ البقرة : 58 ] فعطف « كلوا » على « ادخلوا » بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها فكأنه قال : إن دخلتموها أكلتم منها ، فالدّخول موصل إلى الأكل ، والأكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة « الأعراف » :
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا
[ الأعراف : 161 ] فعطف « كلوا » على قوله : « اسكنوا » بالواو دون الفاء ؛ لأن « اسكنوا » من السّكنى ، وهو المقام مع طول اللّبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده ؛ لأن من دخل بستانا قد يأكل منه ، وإن كان مجتازا ، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء . إذا ثبت هذا
هامش
( 1 ) ينظر المحرر الوجيز : 1 / 126 .