تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
وقال آخرون : إنّ « كان » ها هنا بمعنى « صار » فيكون معنى الآية صار من الذين وقعوا في الكفر بعد ذلك ، وأنه كان قبل ذلك مؤمنا ، وهذا قول « الأصمّ » ، وذكر في مثاله قوله تعالى :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
[ التوبة : 67 ] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب الموافقة في الدين ، وأيضا فإن هذه إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية ، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهيّة ، كما أن الحيوان الذي خلقه اللّه تعالى أولا يصح أن يقال : إنه فرد من أفراد الحيوان ، لا بمعنى أنه واحد من الحيوانات الموجودة خارج الذهن ، بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية . واعلم أنه يتفرع على هذا أن « إبليس » هل كان أول من كفر باللّه ؟ والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر باللّه .

فصل في بيان أن الأمر كان للملائكة كلهم

قال الأكثرون : إن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسّجود لآدم ، واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن لفظ الملائكة صيغة جمع ، وهي تفيد العموم ، لا سيما وقد أكدت بأكمل وجوه التوكيد في قوله : « كلّهم أجمعون » . الثاني : أن استثناء « إبليس » منهم ، واستثناء الشخص الواحد منهم يدلّ على أن من عدا ذلك الشخص يكون داخلا في ذلك الحكم ، ومن الناس من أنكر ذلك ، وقال : المأمور بهذا السّجود هم ملائكة الأرض ، واستعظم أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك . وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الرّوحانية ، وقالوا : يستحيل أن تكون الأرواح السّماوية منقادة للنفوس الناطقة ، إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى البشرية المطيعة للنفس الناطقة ، والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات . قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 35 ]

وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) الجملة من قوله :
وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
معطوفة على جملة « إذ قلنا » لا على « قلنا » وحده لاختلاف زمنيهما . و « أنت » توكيد للضمير المستكنّ في « اسكن » ليصح العطف عليه « 1 » « وزوجك »
هامش
( 1 ) وحاصل المواضع التي يستكن فيها الضمير وجوبا ، ونعني بواجب الاستتار : ما لا يحلّ محلّه الظاهر ، وهي أربعة : -