تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
قوله تعالى :
« أَبى وَاسْتَكْبَرَ »
. الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان جوابا لمن قال : فما فعل ؟ والوقف على قوله : « إلّا إبليس » تام . وقال أبو البقاء : « في موضع نصب على الحال من « إبليس » تقديره : ترك السجود كارها له ومستكبرا عنه » . فالوقف عنده على « واستكبر » ، وجوز في قوله :
« وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ »
أن يكون مستأنفا ، وأن يكون حالا أيضا ، و « الإباء » : الامتناع ؛ قال الشاعر : [ الوافر ]
386 - وإمّا أن يقولوا قد أبينا * وشرّ مواطن الحسب الإباء « 1 »
وهو من الأفعال المفيدة للنفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء المفرّغ قال تعالى :
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
[ التوبة : 32 ] . والمشهور « أبي - يأبى » بكسرها في الماضي ، وفتحها في المضارع ، وهذا قياس ، فيحتمل أن يكون من قال : « أبى - يأبى » بالفتح فيهما استغنى بمضارع من قال « أبي » بالكسر ويكون من التداخل نحو : « ركن - يركن » وبابه . واستكبر بمعنى : تكبّر ، وإنما قدم الإباء عليه ، وإن كان متأخرا عنه في الترتيب ؛ لأنه من الأفعال الظّاهرة ؛ بخلاف الاستكبار ؛ فإنه من أفعال القلوب . قوله : « وكان » قيل : هي هنا بمعنى « صار » ؛ كقوله : [ الطويل ]
387 - بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 2 »
أي : قد صارت . ورد هذا ابن فورك وقال : « تردّه الأصول ، والأظهر أنها على بابها والمعنى : كان من القوم الكافرين الّذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم على ما روي ، وكان في علم اللّه » .

فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر

قال القاضي : هذه الآية تدلّ على بطلان قول أهل الجبر من وجوه : أحدها : أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السّجود ؛ لأن عندهم القدرة
هامش
( 1 ) البيت لزهير بن أبي سلمى ينظر ديوانه : ص 74 ، والأشباه والنظائر : 5 / 184 ، الدر المصون : 1 / 188 . ( 2 ) البيت لعمرو بن أحمر ينظر ديوانه : ص 119 ، وخزانة الأدب : 9 / 101 ، ولسان العرب ( عرض ) ، ( كون ) ، والحيوان : 5 / 75 ، وله أو لابن كنزة في شرح شواهد الإيضاح : ص 525 ، وينظر أسرار العربية : ص 137 ، وشرح الأشموني : 1 / 111 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي : ص 68 ، وشرح المفصل : 7 / 102 ، والمعاني الكبير : 1 / 313 ، الدر المصون : 1 / 188 .