تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله . والجواب : إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صحّ عندهم صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإذا صحّ ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر مقام الأثر ، وجعل قوله :
فَاتَّقُوا النَّارَ
قائما مقام قوله : فاتركوا العناد ، فأناب إبقاء النار منابه . و « الحجارة » روي عن ابن مسعود والفراء - رضي اللّه تعالى عنهما - أنها حجارة الكبريت « 1 » ، وخصّت بذلك ؛ لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الإيقاد ، ونتن الرائحة ، وكثرة الدّخان ، وشدّة الالتصاق بالأبدان ، وقوة حرها إذا حميت . وقيل : المراد بالحجارة الأصنام ، لأنهم لما قرنوا أنفسهم بها في الدنيا حيث نحتوها أصناما ، وجعلوها أندادا للّه ، وعبدوها من دونه قال تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
[ الأنبياء : 98 ] وفي معنى « الناس والحجارة » و « حصب جهنم » في معنى « وقودها » . ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون اللّه أنها الشّفعاء ، والشهداء الذين يشفعون لهم ، ويستدفعون بها المضار عن أنفسهم جعلهم اللّه عذابهم ، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا في تحسيرهم ، ونحوه ما يفعل بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحّوا بها ، ومنعوها من الحقوق ، حيث يحمى عليها في نار جهنّم ، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . قال ابن الخطيب « 2 » : والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل ، بل فيه ما يدلّ على فساده ؛ لأن الغرض هنا تفخيم صفة النّار ، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد ، فلا يدلّ الإيقاد بها على قوة النار . أما لو حملناه على سائر الحجارة ، دلّ على عظم أمر النار ؛ فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران ، فكأنه قال : تلك النّار نار بلغت لقوتها أن تتعلّق في أوّل أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدّنيا .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 1 / 381 ) بإسنادين عن ابن مسعود موقوفا وأخرجه الحاكم ( 2 / 261 ) من طريق محمد بن عبيد عن مسعر عن عبد الملك الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والأثر ذكره السيوطي في « الدر المنثور » وزاد نسبته إلى : عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وهناد بن السري في كتاب الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في « الشعب » . ( 2 ) ينظر الرازي : 2 / 113 .