تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
والعبث غير جائز على الحكيم . وأيضا إنّ العبد غير موجد لأفعاله ؛ لأنه غير عالم بتفاصيلها ، ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجدا له ، وإذا لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، فإن أمره بذلك الفعل حالة ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل ، وإن أمره حالة ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال ، وكل ذلك باطل . وأجاب ابن الخطيب بوجهين : أحدهما : أن أصحاب هذه الشّبه ، أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التّكليف ، فهذا التكليف ينفي التكليف ، وإنه متناقض . والثاني : أن عندنا يحسن من اللّه كل شيء ، سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره ؛ لأنه - تعالى - خالق مالك ، والمالك لا اعتراض عليه في فعله . والخلق اختراع الشّيء على غير مثال سبق ، وهذه الصّفة ينفرد بها الباري تعالى ، ويطلق أيضا على « التقدير » ؛ قال زهير : [ الكامل ]
275 - ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثمّ لا يفري « 1 »
وقال الحجّاج : « ما خلقت إلّا فريت ولا وعدت إلّا وفيت » وهذه الصّفة لا يختص بها اللّه تعالى ، وقد غلط أبو عبد اللّه البصري في أنه لا يطلق اسم « الخالق » على اللّه - تعالى ؛ قال : « لأنه محال ، وذلك أن التقدير والتسوية في حقّ اللّه ممتنعان ، لأنهما عبارة عن التفكّر والظّن » ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ
[ الحشر : 24 ]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] ، وكأنّه لا يعلم أن الخلق يكون عبارة عن الإنشاء والاختراع . قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
محلّه العطف على المنصوب في « خلقكم » و « من قبلكم » صلة « الذين » ، فيتعلّق بمحذوف على ما تقرر . و « من » لابتداء الغاية ، واستشكل بعضهم وقوع « من قبلكم » صلة من حيث إن كل ما جاز أن يخبر به جاز أن يقع صلة ، و « من قبلكم » ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة إلا بتأويل ، فكذلك الصّلة . قال : وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف صح الإخبار والوصل به تقول : « نحن في يوم طيب » ، فيكون التقدير هنا - واللّه أعلم - « والّذين كانوا من زمان قبل زمانكم » . وقال أبو البقاء « 2 » : والتقدير : « والذين خلقهم من قبل خلقكم ، فحذف الخلق ، وأقام الضمير مقامه » . وقرأ زيد بن علي : « والّذين من قبلكم » - بفتح الميم - .
هامش
( 1 ) ينظر البيت في ديوانه : ( 94 ) ، المحرر الوجيز : ( 1 / 114 ) ، الرازي : ( 1 / 89 ) ، روح المعاني : ( 1 / 184 ) ، والقرطبي : ( 1 / 157 ) ، والدر المصون : ( 1 / 146 ) . ( 2 ) ينظر الاملاء : 1 / 23 .