تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
التأويل ، وهذا جواب عن سؤال أيضا ، وهو أن يقال : قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ
يقتضي تشبيه مثلهم مثل المستوقد ، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتّى شبّه أحدهما بالآخر ؟ فالجواب : أن يقال : استعير المثل للقصّة وللصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنه قيل : قصّتهم العجيبة كقصّة الذي استوقد نارا ، وكذا قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
[ الرعد : 35 ] أي فيما قصصنا عليه من العجائب قصّة الجنّة العجيبة .
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ النحل : 60 ] أي : الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة .
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ
[ الفتح : 29 ] أي : وصفهم وشأنهم المتعجّب منه ، ولكن المثل - بالفتح - في الأصل بمعنى مثل ومثيل نحو : شبه وشبه وشبيه . وقيل : بل هي في الأصل الصّفة . وأما المثل في قولهم : « ضرب مثلا » فهو القول السّائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه ، ولذلك حوفظ على لفظه فلم يغير . و « الذي » : في محلّ خفض بالإضافة ، وهو موصول للمفرد المذكّر ، ولكن المراد به - هنا - جمع ولذلك روعي معناه في قوله :
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ
فأعاد الضمير عليه جمعا ، والأولى أن يقال : إنّ « الذي » وقع وصفا لشيء يفهم الجمع ، ثم حذف ذلك الموصوف للدّلالة عليه . والتقدير : ومثلهم كمثل الفريق الذي استوقد ، أو الجمع الذي استوقد ؛ ويكون قد روعي الوصف « 1 » مرة ، فعاد الضمير عليه مفردا في قوله :
اسْتَوْقَدَ ناراً
و « حوله » ، والموصوف أخرى فعاد الضمير عليه مجموعا في قوله : « بنورهم » ، و « تركهم » . وقيل : إنّ المنافقين ذاتهم لم يشبهوا بذات المستوقد ، وإنما شبهت قصّتهم بقصّة المستوقد ، ومثله قوله :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ
[ الجمعة : 5 ] وقوله :
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ
[ محمد : 20 ] . وقيل : المعنى : ومثل كل واحد منهم كقوله :
يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
[ غافر : 67 ] أي : يخرج كلّ واحد منكم . ووهم أبو البقاء ، فجعل هذه الآية من باب ما حذفت منه النّون تخفيفا ، وأنّ الأصل : « الذين » ثم خففت بالحذف ، وكأنه مثل قوله تعالى :
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
[ التوبة : 69 ] ؛ وقول الشاعر : [ الطويل ]
225 - وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد « 2 »
والأصل : « كالذين خاضوا » « وإنّ الذين حانت » . وهذا وهم ؛ لأنه لو كان من باب
هامش
( 1 ) في أ : الموصوف . ( 2 ) تقدم برقم ( 79 ) .
اللباب في علوم الكتاب — صفحة 372 | عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي / محمد سعد رمضان حسن / محمد المتولى الدسوقي حرب