تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
النوع الرابع : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات ، وهذا إما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار ، أو السكوت . فإن وجد الإقرار ، فإن كان الإقرار اختياريا ، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر ، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري هل هو صادق فيه أم لا ؟ وإن كان لا في مهلة النظر ، ففيه نظر . وإن كان الإقرار اضطراريا لم يكفر صاحبه ؛ لأن توقّفه إذا كان في مهلة النظر ، وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحا . فإن كان مع القلب الخالي الإنكار باللّسان ، فحكمه على العكس من حكم القسم العاشر . فإن حصل مع القلب الخالي السّكوت ، فهذا إن كان في مهلة النظر ، فذلك هو الواجب ، وإن كان خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره ، ولا يحكم عليه بالنّفاق البتة .

فصل في بيان أقبح الكفر

اختلفوا في أنّ كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق ؟ قال قوم : كفر الأصلي أقبح ؛ لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان . وقال آخرون : بل المنافق أيضا كاذب باللسان ، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه ، ولذلك قال تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
[ الحجرات : 14 ] ، وقال تعالى :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[ المنافقون : 1 ] ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة : أحدها : أنه قصد التّلبيس ، والكافر الأصلي ما قصد ذلك . وثانيها : أنّ الكافر على طبع الرجال ، والمنافق على طبع الخنوثة . وثالثها : أنّ الكافر ما رضي لنفسه بالكذب ، ولم يرض إلّا بالصدق ، والمنافق رضي بذلك . ورابعها : أنّ المنافق ضمّ إلى كفره الاستهزاء ، بخلاف الكافر الأصلي ، ولأجل غلظ كفره قال تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ النساء : 145 ] . وخامسها : قال مجاهد : إنه - تعالى - ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات ، ثم ثنّى بذكر الكفار في آيتين ، ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية ، وذلك يدلّ على أنّ المنافق أعظم جرما ، وفي هذا نظر [ لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم ] « 1 » لأنه قد يكون عظم جرمهم لضمهم إلى الكفر وجوها من المعاصي ، كالمخادعة
هامش
( 1 ) سقط في ب .