تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علوم الكتاب — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
لولا أنّ اللّه - سبحانه وتعالى - وفّقنا للطاعات ، وأعاننا عليها ، وهدانا إليها ، وأزاح الأعذار عنا ، وإلّا لما وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بهذا التقرير أنّ جميع النعم في الحقيقة من اللّه تعالى . الفائدة الثّانية : اختلفوا [ في أنه ] « 1 » هل للّه - تعالى - نعمة على الكافر أم لا ؟ فقال بعض أصحابنا : ليس للّه - تعالى - على الكافر نعمة . وقالت المعتزلة : للّه - تعالى - على الكافر نعمة دينية ، ونعمة دنيوية . واحتجّ الأصحاب على صحّة قولهم ، بالقرآن [ الكريم ] « 2 » ، والمعقول . أما القرآن ؛ فقوله تبارك وتعالى :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
؛ وذلك لأنه لو كان للّه على الكافر نعمة ، لكانوا داخلين تحت قوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
فيكون طلبا لصراط الكفّار ، وذلك باطل ، فثبت بهذه الآية أنه ليس للّه - تعالى - على الكافر نعمة . فإن قالوا : إنّ قوله :
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
يدفع ذلك . قلنا :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
بدل من قوله :
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
؛ فكان التّقدير : « اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم » ، وحينئذ يعود المحذوف المذكور . وقوله تبارك وتعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران : 178 ] . وأما المعقول : فهو أنّ نعم الدنيا الفانية في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام ، كالقطرة في البحر ، ومثل هذا لا يكون نعمة ، بدليل أنّ من جعل السّمّ في الحلوى لم يعد النفع الحاصل منه نعمة ؛ لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضّرر الكبير « 3 » ، فكذا ههنا . وأما الّذين قالوا : إن للّه على الكافر نعمة ، فقد احتجّوا بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً
[ البقرة : 21 ، 22 ] ، على أنه يجب على الكلّ طاعة اللّه - تعالى - لأجل هذه النعم ، وإلّا لما كانت هذه النعم العظيمة معتبرة ؛ وقوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] ، ذكر ذلك في معرض الامتنان ، وشرح النعم . وقوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 40 ] . وقوله تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبأ : 13 ] . وقول إبليس :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
[ الأعراف : 17 ] .
هامش
( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : الكثير .