في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة « 1 » فضة لم يعص اللّه فيها قط فأول ما يتكلم به أن ينادي مناد لمن الملك اليوم ، وقيل : إنه تعالى يقول بعد فناء الخلق بين النفختين لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول لنفسه « 2 »
( لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ )
[ 16 ] وقيل : ينادي مناد به فيجيبه أهل المحشر « 3 » .
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 17 ]
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 )
ثم يقول اللّه تعالى
( الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ )
أي ما « 4 » عملت في الدنيا من خير أو شر
( لا ظُلْمَ الْيَوْمَ )
أي الظلم مأمون فيه ، لأن اللّه ليس بظلام للعبيد
( إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ )
[ 17 ] أي يحاسبهم في وقت واحد ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ، وهذه الآية نتيجة قوله ( الملك لله الواحد القهار ) لأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم ليحاسبه ويجزي لنفس واحد ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه : « إذا أخذ اللّه في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها » « 5 » ، أشار به إلى سرعة الحساب .
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 18 ]
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 )
( وَأَنْذِرْهُمْ )
أي خوفهم يا محمد
( يَوْمَ الْآزِفَةِ )
أي بيوم الساعة القريبة ، من أزف الرجل إذا قرب ، وقيل :
بوقت مشارفتهم دخول النار « 6 » ، قوله
( إِذِ الْقُلُوبُ )
بدل من
« يَوْمَ الْآزِفَةِ » ،
أي القلوب في ذلك اليوم
( لَدَى الْحَناجِرِ )
من الخوف ، أي ترتفع من مكانها إلى الخنجرة ولا يعود إلى مكانها من هول القيامة ، قوله
( كاظِمِينَ )
حال من أصحاب القلوب ، أي مغمومين جارعين الغيظ لا يظهرونه خوفا يتردد في أجوافهم
( ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ )
أي من قريب مشفق ينفعه
( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ )
[ 18 ] له الشفاعة فيهم ، والمراد نفي الشفاعة والطاعة معا ، لأن الشافعين أولياء اللّه وهم لا يحبون إلا من أحبه اللّه فلم يشفعوا لهم .
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 19 ]
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 )
( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ )
أي اللّه تعالى خائنة « 7 » الأعين بالنظر إلى محرم والغمزة إلى ما لا يحل كفعل أهل الريب وهو خبر من أخبار هو في قوله
« هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ »
« 8 »
( وَما تُخْفِي الصُّدُورُ )
[ 19 ] أي ويعلم ما تخفيه القولب .
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 20 ]
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 )
( وَاللَّهُ يَقْضِي )
أي يحكم
( بِالْحَقِّ )
أي بالعدل لأنه مستغن عن الظلم فيما يأمر وينهى
( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ )
بالياء والتاء « 9 » ، أي تعبدونهم من دون اللّه وهم الأصنام
( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ )
لعجزهم وعدم عقلهم
( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ )
لمقالتكم
( الْبَصِيرُ )
[ 20 ] بأعمالكم .
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 21 ]
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ( 21 )
( أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا )
أي ألم يعتبروا
( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ )
أي من تقدمهم من الأمم ، و
« هُمْ »
فصل في قوله
( كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً )
أي بأسا وأجسادا وحقه أن يدخل بين المعرفتين ، لكن
« أَشَدَّ مِنْهُمْ »
قد شابه المعرفة في أنه لا يدخل الألف واللام فأجري مجراه
( وَآثاراً فِي الْأَرْضِ )
يعني أكثر أعمالا وأعمارا وأحصن « 10 » قصورا ومنازل ، فكفروا
( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ )
أي عاقبهم
( بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
هامش
( 1 ) سبيكة ، ي : سبكة ، ح ، سبكه ، و ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 5 / 177 .
( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 3 / 163 .
( 3 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 5 / 177 .
( 4 ) ما ، ح : - وي .
( 5 ) انظر الكشاف ، 5 / 177 .
( 6 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 178 .
( 7 ) خائنة ، ح ي : خيانة ، و .
( 8 ) المؤمن ( 40 ) ، 13 .
( 9 ) « يدعون » : قرأ نافع وهشام بتاء الخطاب ، وغيرهما بياء الغيبة . البدور الزاهرة ، 279 .
( 10 ) وأحصن ، وي : وأحسن ، ح .