تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
مُحِيطٌ )
أي محدق بالعلم والقدرة
( بِالْكافِرِينَ [ 19 ] )
أي بأعمالهم الخبيثة ، لا يفوت أحد منهم وقت التعذيب ثمة ، والإحاطة : إدراك الشيء من جميع جوانبه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 20 ]

يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) ثم استأنف ببنان تهويل حال البرق ، كأنه قيل : كيف ما لهم مع البرق ، فقال
( يَكادُ )
أي يقرب
( الْبَرْقُ يَخْطَفُ )
أي يسلب سرعة
( أَبْصارَهُمْ )
أي نورها « 1 » من شدة ضوء البرق ، وجملة
« يَخْطَفُ »
في محل نصب خبر
« يَكادُ »
، وشرط خبر كاد أن يكون فعلا مضارعا بلا أن للاستقبال ، لأنه موضوع لمقاربة وقوع الفعل المتأول باسم الفاعل ، ولذا لم يقل : أن يخطف
( كُلَّما أَضاءَ )
أي أنار البرق الطريق في الليلة المظلمة
( لَهُمْ مَشَوْا )
أي ساروا
( فِيهِ )
أي في ضوءه
( وَإِذا أَظْلَمَ )
أي ذهب ضوءه فصار الطريق مظلما
( عَلَيْهِمْ قامُوا )
أي وقفوا متحيرين في مكانهم ، قيل : استعمل
« كُلَّما »
مع الإضاءة و
« إِذا »
مع الإظلام ، لأن تكرير الفعل منهم في الإضاءة مطلوب ، وفي الإظلام ليس بمطلوب لهم « 2 » ، المعنى : أن المنافقين شبهوا في نفاقهم وضلالتهم عن الهدى بمن كان في ليلة مظلمة في مفازة ، فنزل مطر من السماء ، وفيه ظلمات ورعد وبرق ، لا يمكن المشي فيها ، ويجعل أصابعه في أذانه من هول الرعد ، ويختلس البرق ببصره من شدة ضوءه ، فكلما أضاء الطريق عند ذلك يمشي فيه ، وإذا أظلم عليه بقي متحيرا في مكانه ، لأن المنافقين إذا تكلموا بكلمة الشهادة ليستأنسوا المؤمنين ويمضون معهم آمنين من السيف والسبي مع كتمان الكفر في قلوبهم ، وكلما أظهر لهم علامة من علامات نبوة محمد عليه السّلام مالوا إليه مدة ، وإذا أصاب المسلمين محنة كمحنة يوم أحد ثبتوا على كفرهم وإذا قرئ « 3 » القرآن عليهم « 4 » يتصاممون عن استماع آياته المنذرة والمبشرة مخافة أن ينزل عليهم شيء يكشف سرهم ويظهر حالهم أو مخافة ميل القلب إلى الإيمان لكونه عندهم كفرا ، فالمطر القرآن ، لأنه ينزل من السماء لإصلاح الناس وحيوة قلوبهم كالمطر ينزل من السماء لإصلاح الأرض وحيوة النبات ، والظلمات ذكر الشرك والنفاق ، وشبهاتهم في القرآن ، والرعد هو الوعيد والإنذار للعصاة ، والبرق ما ظهر فيه من علامات نبوته والبشارة بالجنة وما فيها من الوعد « 5 » ، والصواعق التكاليف الشاقة والأخبار الداقة فيه ، فهذه الأمثال الثلاثة للمنافقين الذين كانوا في المدينة لإيضاح الحجة عليهم . قوله
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ )
مفعوله محذوف ، أي لو أراد أن يذهب الأسماع التي في الرأس والأبصار التي في العين كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها
( لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ )
عقوبة لهم ، لأنه لا يعجز عن ذلك
( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ )
أي على كل موجود بالإمكان
( قَدِيرٌ [ 20 ] )
أي فاعل له على قدر ما تقتضيه « 6 » حكمته ، لا ناقصا ولا زائدا ، وهو صفة مخصوصة به تعالى ، ومثله المقتدر ، ومعنى القدرة أن يوقع الفاعل الفعل على مقدار قوته وما يتميز عن العاجز ، فخرج المستحيل عند ذكر القادر على الأشياء كلها ، والشيء يرادف الموجود واجبا أو غيره ، ولا يطلق على المعدوم إلا بالتجوز كقوله تعالى
« إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ »
« 7 » ، لأنه قدر كالموجود لصدق الوعد به .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 21 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) قوله
( يا أَيُّهَا النَّاسُ )
الآية مسوق لإثبات التوحيد وتحقيق نبوة محمد عليه السّلام اللذين أصل الإيمان ، قيل :
هامش
( 1 ) نورها ، ب س : نورهما ، م . ( 2 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 1 / 45 . ( 3 ) قرئ ، ب : قرأ ، س م . ( 4 ) عليهم ، ب م : - س . ( 5 ) الوعد ، ب س : الوعيد ، م . ( 6 ) تقتضيه ، ب س : يقتضيه ، م . ( 7 ) الحج ( 22 ) ، 1 .