تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وعطف بيان ، خبره
( رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ )
لأنه وجد بقوله لعيسى « كن » فكان من غير أب ، ومحل
( أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ )
حال ، وقد معه مقدرة ، أي والحال أن اللّه أخبرها بالكلمة من غير أب ولا نطفة ، قيل : « أتى جبرائيل فينفخ في جيب درع مريم ، فدخلت تلك النفخة بطنها فتحرك عيسى في بطنها » « 1 » ، قوله
( وَرُوحٌ مِنْهُ )
عطف على
« رَسُولُ اللَّهِ »
وسمي روحا ، لأنه وجد بمجرد النفخ من غير جزء من ذي جسد حي كالنطفة المنفصلة من الأب ، وأضيف إلى
« اللَّهِ »
بقوله منه تشريفا له ، ثم قال
( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ )
أي وبما جاءكم رسله منه أنه واحد في الألوهية لا شريك له ولا ولد له ولا نسبة بينه وبين عيسى ، فإنه جزء من مريم لا من اللّه ، خلق من غير أب ، ومركب مثلها
( وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ )
أي الآلهة ثلاثة ، واللّه ثالث ثلاثة
( انْتَهُوا )
يكن الانتهاء عنه
( خَيْراً لَكُمْ )
من القول به ، يعني توبوا إلى اللّه بالتوحيد ولا تصروا على الكفر
( إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ )
وتأكيده قوله
( سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ )
أي نزه نفسه عن ذلك تنزيها ، ثم بين تنزيهه بقوله
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ )
من الخلق ، يعني كل ما فيهما ملكه ، فكيف يصح أن يكون بعض ملكه جزء له على أن الجزء انما يكون بالتركيب والجسم وهو منزه عن صفات الأعراض والأجسام
( وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا )
[ 171 ] أي شاهدا يشهد على أنه واحد وإن لم يشهد غيره أو كفى وكيلا يكل الخلق إليه أمورهم لافتقارهم إليه وهو الغني عنهم .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 172 ]

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) قوله « 2 »
( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ )
نزل حين قال وفد نجران للنبي عليه السّلام عند المناظرة به في أمر عيسى : إنك تسب عيسى بقولك إنه عبد اللّه « 3 » ، فقال تعالى لا يأنف المسيح عيسى « 4 » أن يكون عبد اللّه ، يعني أنه مقر بعبوديته له تعالى ، يقال نكف واستنكف إذا أنف ، وأصله تنحية الدمع « 5 » من الخد
( وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ )
عطف على « المسيح » وهو الظاهر في أداء الغرض من الكلام بخلاف عطفه على اسم « يكون » « 6 » ، أي ولا حملة العرش يأنفون أن يكونوا عيدا للّه ، فإنهم أقرب إليه من عيسى ، فكيف يأنف عيسى وهو عبد من عباده ، ويدل على أن عبيدا هو المحذوف « 7 » قوله
« عَبْداً لِلَّهِ »
، ولو لم يقدر الحذف فيه لم يصح العطف ، لأن الملائكة جمع و
« عَبْداً لِلَّهِ »
مفرد ، وقيل : يجوز أن يكون المراد من
« الْمَلائِكَةُ »
كل واحد منهم ، فحينئذ يصح العطف « 8 » ، قيل : في الكلام ارتقاء من الأدنى إلى الأعلى ، وهو يدل على أن الملائكة مفضلون على البشر ، وأجيب عنه بأن سوق الكلام رد على الذين يقولون الملائكة آلهة كما رد على النصارى أن عيسى إله أو ولد للّه لا لتفضيل الملائكة على البشر « 9 »
( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ )
أي يأنف
( عَنْ عِبادَتِهِ )
أي عن العبودية للّه
( وَيَسْتَكْبِرْ )
أي ويتعظم عن طاعته
( فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ )
أي « 10 » إلى اللّه
( جَمِيعاً )
[ 172 ] فيأمر بهم إلى النار .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 173 ]

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) ثم قال في شأن الموحدين
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ )
أي الطاعات التي بينهم وبين ربهم
( فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ )
أي يتم ثواب أعمالهم
( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ )
أي من رزقه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ثم قال تأكيدا في شأن المستنكفين عن عبادته
( وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا )
أي
هامش
( 1 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 407 . ( 2 ) قوله ، ب س : - م . ( 3 ) عن الكلبي ، انظر الواحدي ، 158 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 408 . ( 4 ) عيسى ، ب م : - س . ( 5 ) الدمع ، ب س : الدموع ، م . ( 6 ) يكون ، ب م : أن يكون ، س . ( 7 ) هو المحذوف ، س : المحذوف ، ب م . ( 8 ) لعل المؤلف أخذه عن الكشاف باختصار ، 2 / 10 . ( 9 ) لعل المفسر اختصره من البغوي ، 2 / 194 . ( 10 ) أي ، س م : إلي ، ب .