[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 140 ]
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 )
ثم قال تعزية لهم
( إِنْ يَمْسَسْكُمْ )
أي إن يصبكم
( قَرْحٌ )
بفتح القاف وضمها « 1 » ، أي جراحة
( فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ )
أي الكفار ببدر
( قَرْحٌ مِثْلُهُ )
قيل : قتل المسلمون من الكافرين ببدر سبعين وأسروا سبعين ، وقتل الكافرون بأحد من المسلمين سبعين وأسروا سبعين « 2 » ، وفيه ضعف لما سيأتي ويدل على المماثلة قوله تعالى
( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ )
أي أيام الظفر والغلبة
( نُداوِلُها )
أي نصرفها
( بَيْنَ النَّاسِ )
أي بين المسلمين والكافرين تارة لهم وتارة عليهم ، ومنه قول العرب : « الحرب سجال » « 3 » ، أي مساجلة ، وهي المناوبة بأن يصنع أحد مثل صنع قرينه في جري أو « 4 » سقي أو غير ذلك بالتوبة ، وأصله من الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر ، قوله
( وَلِيَعْلَمَ )
عطف على العلة المقدرة ، أي فعلنا ذلك ليتعظوا وليعلم بالتمييز والإظهار
( اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا )
بالإخلاص شكوا « 5 » في دينهم فيجازون على ما فعلوا ، لأن المخلص يتبين حاله في الشدة والبلاء فيعطي ثوابه بما يظهر منه لا بما يعلم منه
( وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ )
أي لكي يكرمكم بالشهادة لا لأجل نصر الكفار وحبهم
( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
[ 140 ] نفوسهم بالكفر والنفاق .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 141 ]
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 )
قوله
( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ )
عطف على
« لِيَعْلَمَ »
، أي ليطهر ويصفي
( الَّذِينَ آمَنُوا )
من الذنوب قتلوا أو قتلوا بالجهاد ، من محصت الذهب إذا أزلت « 6 » منه الوسخ
( وَيَمْحَقَ )
أي ويهلك بالاستئصال
( الْكافِرِينَ )
[ 141 ] لأنهم بذلك يتشجعون فيخرجون تارة أخرى فيهلكون .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 142 ]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 )
( أَمْ حَسِبْتُمْ )
أي أظننتم ، فالهمزة للإنكار والميم صلة
( أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ )
قبل أن تصيبكم شدة في دين اللّه وهو المراد من
( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ )
بكسر الميم للساكنين ، والواو واو الحال و
« لَمَّا »
بمعنى لم إلا أن في
« لَمَّا »
معنى التوقع ، وأراد « 7 » به أن لما يدل « 8 » على نفي الفعل فيما مضى وعلى توقع ثبوته فيما يستقبل ، أي ولم يعلم اللّه
( الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ )
يعني ولم يظهر جهاد المجاهدين في سبيله بعد بقتل أو جرح أو غيرهما
( وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ )
[ 142 ] بالنصب باضمار « أن » ، والواو بمعنى الجمع ، وبالجزم « 9 » على العطف على
« وَلَمَّا يَعْلَمِ »
لكن فتحت الميم لالتقاء الساكنين اتباعا للام ، والمعنى : أتحسبون دخول الجنة والحال أنه ما اجتمع علم اللّه بالمجاهدين منكم وعلمه بالصابرين منكم في الشدائد .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 143 ]
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 )
قوله
( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ )
أي القتل والشهادة ، قيل : كان غرضهم قصدهم إلى نيل كرامة الشهادة لا غلبة الكافر على السملم « 10 »
( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ )
أي تلاقوه وتصلوا إليه
( فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ )
بأعينكم يوم أحد
( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ )
[ 143 ] عيانا أسباب الموت ، وهي السيوف السهام ، نزل عتابا لهم حين وصف اللّه لهم الكرامة النازلة
هامش
( 1 ) « قرح » : قرأ شعبة والأخوان وخلف بضم القاف ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 70 .
( 2 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 555 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 304 .
( 3 ) هذا مذكور في البغوي ، 1 / 556 ؛ والكشاف ، 1 / 202 .
( 4 ) أو ، ب س : و ، م .
( 5 ) شكوا ، ب س : يشكوا ، م .
( 6 ) إذا أزلت ، ب م : إذا زالت ، س .
( 7 ) وأراد ، س : وأرادوا ، ب م .
( 8 ) لما يدل ، ب م : لما تدل ، س .
( 9 ) أخذ هذه القراءة عن الكشاف ، 1 / 203 .
( 10 ) لعل المصنف اختصره من البغوي ، 1 / 557 ؛ والكشاف ، 1 / 203 .