النون وإخفاء حركة العين وبكسر النون والعين للاتباع والتشديد فيه اتفاق « 1 » ، أي فنعم الشيء شيئا الصدقة المعلنة ، ف « نعم » فعل مدح ، فاعله مضمر فيه ، و « ما » نكرة بمعنى شيء ، مفسرة للضمير المبهم ، ويقصد به فعل الفاعل وهو الإبداء المعلوم بالذكر و ، هي خبر مبتدأ محذوف بتقدير المضاف عائد إلى الصدقة ، كأنه قيل : ما الممدوح ؟ فقيل : هي الصدقة ، يعني إبداء الصدقة المفروضة
( وَإِنْ تُخْفُوها )
أي الصدقة
( وَتُؤْتُوهَا )
أي تعطوها
( الْفُقَراءَ )
سرا
( فَهُوَ )
أي فالإخفاء
( خَيْرٌ لَكُمْ )
من الإبداء وأفضل من الجهر وكل متقبل إذا صلحت النية ، قيل :
« إعلان الفريضة أفضل من إخفائها بخمسة وعشرين ضعفا وصدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفا » « 2 » ، قال عليه السّلام : « صدقة السر تطفئ غضب الرب » « 3 » ، وهذا محمول على التطوع ، قوله
( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ )
بالنون والياء والجزم عطف على محل الجزاء ، لأنه جواب الشرط وبالرفع على الاستئناف « 4 » ، أي ونحن نكفر أي نمحو عنكم
( مِنْ سَيِّئاتِكُمْ )
أي جميع ذنوبكم على زيادة « من » أو هي تبعيض ، لأنه يمحو بعض الذنوب بالتصدق في السر والعلانية
( وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )
[ 271 ] من التصدق في حالين فيجازيكم به .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ]
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 )
قوله
( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ )
أي التوفيق إلى الهداية للكفار ، نزل حين كان المسلمون يمتنعون عن التصدق على كافر حتى يسلم « 5 » ، فقال تعالى للنبي : عليك يا محمد هداية البيان للدعوة كما في قوله
« وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
« 6 » ، وليس عليك هداية التوفيق للكافرين حتى يسلموا
( وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي )
أي يرشد هداية التوفيق
( مَنْ يَشاءُ )
فيسلم ، يعني لو أنفقت لأقربائك المشركين لكان ثواب نفقتك لك ، فيه إيماء إلى أن الكفر لا يمنع صدقة التطوع ، واختلف العلماء في الواجب ، قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : يجوز إنفاق صدقة الفطر لأهل الذمة ، ومنعه غيره « 7 »
( وَما تُنْفِقُوا )
أي أي شيء تتصدقوا
( مِنْ خَيْرٍ )
أي من مال
( فَلِأَنْفُسِكُمْ )
أي فثوابه لكم لا لغيركم
( وَما تُنْفِقُونَ )
أي لا تتصدقون « 8 » في طاعة اللّه
( إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ )
أي لطلب ثوابه
( وَما تُنْفِقُوا )
أي أي شيء تتصدقوا
( مِنْ خَيْرٍ )
في أهل الذمة وغيرهم
( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ )
أي يعط ثوابه لكم وافرا مضاعفة ، و « ما » هذه شرط و « يوف » مجزوم ، جزاؤه
( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ )
[ 272 ] شيئا من ثوابكم .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 273 ]
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273 )
قوله
( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا )
صلة فعل محذوف أي أنفقوا لهم أو « 9 » خبر مبتدأ محذوف ، أي صدقاتكم للفقراء الذين حبسوا نفوسهم
( فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
أي في طاعته من الغزو وتلاوة القرآن والعبادة في المسجد ، وهم أهل الصفة ، كانوا مقدار أربعمائة يسكنون المسجد ويقرؤون القرآن ويعبدون ربهم « 10 » فيه ليلا ونهارا ،
هامش
( 1 ) « فنعما » : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين ، وقرأ ورش وابن كثير وحفص ويعقوب بكسر النون والعين ، وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين ، واختلف عن قالون والبصري وشعبة ، فروي عنهم وجهان : الأول كسر النون واختلاس كسرة العين وهذا هو الذي ذكره الشاطبي ، الثاني كسر النون وإسكان العين كقراءة أبي جعفر .
البدور الزاهرة ، 55 .
( 2 ) عن ابن عباس ، انظر الكشاف ، 1 / 152 .
( 3 ) روي الترمذي نحوه ، الزكاة ، 28 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 391 .
( 4 ) « ويكفر » : قرأ نافع والأخوان وأبو جعفر وخلف بالنون وجزم الراء ، وقرأ المكي والبصريان وشعبة بالنون ورفع الراء ، وقرأ الشامي وحفص بالياء ورفع الراء . البدور الزاهرة ، 56 .
( 5 ) عن الكلبي ، انظر البغوي ، 392 .
( 6 ) الشوري ( 42 ) ، 52 .
( 7 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 1 / 153 .
( 8 ) تتصدقون ، ب س : يتصدقون ، م .
( 9 ) صلة فعل محذوف أي انفقوا لهم أو ، م : - ب س .
( 10 ) ربهم ، س م : اللّه ، ب .