الجزء الرابع
بسم اللّه الرحمن الرحيم
سورة الشورى
قوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
.
ابن عرفة : كلام متعلق الخبر مستقبلا سمي وصية ، وإن كان حاليا سمي واجبا ، ولما كان دينا مستقبلا عن دين نوح وغيره من الأنبياء ، أطلق على الدين المؤيد إليهم به وصية ، وأطلق على الدين المنزل إلينا وحي لأنه حالي ليس بعده شيء ، ولما كان نوح غائبا عنا ، فقال تعالى
ما وَصَّى
بلفظ الغيبة ، ثم قال :
وَالَّذِي أَوْحَيْنا
بلفظ التكلم لأنه خطاب للحاضر ، فغلب فيه خطاب الحاضر على الغائب فأدخل بعده فيه ، فقال تعالى
وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ
.
قوله تعالى :
لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ
.
إن قلت : نفيت الحجة مع أنها ثابتة ، بقوله تعالى :
فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ سورة الأنعام : 149 ] قلت : معناه لا يحاجه .
فإن قلت :
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ
حصول المحاجة منهم ، فكيف نفيت عنهم ؟ قلنا : المنفي عنهم إنما هي المفاعلة والمثبت إنما هو قوله :
يُحَاجُّونَ
ويفاعلون لا يقتضي المفاعلة من الجانبين لأنك إذا قلت : تضارب اقتضى الفاعل منهما ، وإذا قلت : يضارب لم يقتضي التفاعل بل حصول المعرفة البادئ عنهما واختار أن يفاعل يقتضي للمفاعلة ، ويلزم حصول التعب والغضب ، فأما في حق الكافر فصحيح ، وأما في حق المؤمن فيدل على أن النظر يحرم في علم الكلام وقد قال به جمع كبير ، وأيضا يلزم أن يكون الجمع في الضلال .
قوله تعالى :
الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
.
لأنها إذا كانت داحضة عنده من حيث كونه رؤوفا رحيما ، فأحرى أن تبطل من حيث كونه قادرا قاهرا منتقما .
قوله تعالى :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها
.
ابن عرفة : قال بعض شراح سيبويه في باب الإحالة فرق بين الخبر المتهافت في نفسه ، وبين الخبر المتهافت مثال الأول : سأحل لك هذا الطعام أمس ، ومثال الثاني :