تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
قوله تعالى :
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً
. قال ابن عرفة : بين إما ظرف وإلا مفعول ، وهل البين بنفسه هو الحاجز ، أو شيء آخر يحل فيه ، وكان بعضهم يرجح الأول خوف التسلسل وتداخل الأجسام ؛ لأنه إذا كان الحاجز بينهما شيئا آخر فما الحاجز بين ذلك الشيء وبينهما ، فإن كان شيء آخر فتسلسل الأمر وإن لم يكن ، ثم حاجز لزم تداخل الأجسام وعدم الحاجز قرئ في كمال الفرد . قوله تعالى :
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
[ 58 / 284 ] قال ابن عرفة : عادة الطلبة يقولون : لأي شيء أعاد المسند إليه هنا ولم يعده ، في قوله تعالى :
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً
. ولم يقل : ومن جعل خلالها أنهارا ، وقال : وتقدم الجواب بأن المعطوفات في الأولين منحصرة في نوع واحد ؛ لأن الهداية راجعة إلى القوة العلمية ، وإرسال الرياح راجع إلى أثر القدرة . قوله تعالى :
عَمَّا يُشْرِكُونَ
. إنما ذكر الإشراك هنا ، بقوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ سورة الإسراء : 67 ] ، فالإنسان في لجج البحار يستحضر مقام التوحيد ، ويلقي اعتقاد التشريك ، فناسب أن يعقب بتنزيه اللّه على نقيض ذلك . قوله تعالى :
ثُمَّ يُعِيدُهُ
. ابن عرفة : هو على تقدير مضمر ، أي ثم يميته ثم يعيده ، وأورد الزمخشري : أنهم ينكرون الإعادة ، فكيف ينكر عليهم عدم الإيمان ممن يعيدهم ؟ وأجاب : بأن الدلائل الدالة على الإعادة قائمة عليهم . قال ابن عرفة : وإذا بنينا على هذا الجواب يكون في الآية حجة على المعتزلة ، لإنا أجمعنا نحن وهم على جواز الإعادة عقلا ، واختلفنا في وجوب وقوعها ، فهم قالوا : أنها واجبة عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين عندهم ، ونحن نقول : وقوعها واجب بالسمع ، وهو إخبار الشارع بوقوعها لا بالعقل . قوله تعالى :
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
.