تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
قوله تعالى :
أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ .
أَنِ
نظرت إلى الجملة في نفسها وإنها جملية فهي بدل ؛ لأن القتل أشد من الخروج من [ 24 / 121 ] الديار ، وإن نظرت إلى جوابها فهي ترق ؛ لأن مفسدة العصيان بعدم امتثال الأمر بالخروج من الديار أشد من مفسدة العصيان بعدم امتثال الأمر بقتل النفس . قال ابن عرفة : واوها للترديد لا للتفصيل ؛ لأن التي للتفصيل شرطها أن يتقدمها كلام مجمل تفصّله مثل :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
[ سورة البقرة : 135 ] فنسب القوم الجميع ثم فصله بأن بعضهم قالوا :
كُونُوا هُوداً
[ سورة البقرة : 135 ] وهم اليهود والبعض وهم النصارى ، قالوا : كونوا نصارى ، وهنا كتب الجميع أحد الأمرين . قوله تعالى :
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ .
الضمير عائد على المذكور أي ما فعلوا المذكور ، وهو المكتوب ولا يصح عوده على أحد الشيئين ؛ لأنه إذا كان الثابت أحد الشيئين فلا يصح رفع ذلك الثبوت إلا بنفي الشيئين معا كما قالوا : إن الموجبة الجزئية تناقضها السالبة الكلية . قوله تعالى :
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ .
لا يصح إلا أن يكون
إِلَّا
بمعنى لا غير ؛ لأن الضمير لا يوصف ولا يوصف به فهو مثل قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ سورة الأنبياء : 22 ] فإن قلت : ما فائدته أيضا في قراءة رفع قليل ، وفي قراءة نصبه ، وما الفرق بينهما في القراءة بحث فيها أبو حيان وأطال ، والصواب أنها صفة لقوله
قَلِيلٌ
فيحتاج إليها في قراءة الرفع ، والمراد ما فعلوه إلا ناس قليلون موصوفون بكونهم منهم ، إلا أن يجاب : بأن الفعل يكون قليلا في ذاته ويكون قليلا باعتبار فاعليه ، فإما أن يكون الكل فعلوه لكن فعلا قليلا ، أو فعله البعض واستوفوه ونسب القلة إليه لقلة فاعليه ، قال أبو حيان : وقراءة النصب مخالفة لقراءة الرفع . قال ابن عرفة : إن أراد أنها مخالفة فليس كذلك ؛ لأن معنى النصب أنهم فعلوه فعلا قليلا ، فهل المراد أنهم الكل فعلوه فعلا قليلا ، وأن القليل منهم فعلوه الفعل بالعلة لقلة فاعليه فترجع إلى قراءة الرفع بالمعنى وإن أريد بها مغايرة لها فمسلّم وفي [ . . . . ] . قوله تعالى :
وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً .
تفسير ابن عرفة — صفحة 37 | ابن عرفة