تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ممكن الوقوع أو قريب من الإمكان ، أتاك بكان التي تقتضي بنفي القابلية مثل : ما كان لزيد أن يقوم ، فهو قابل لذلك باعتبار جنسه غير قابل له بذاته ، فدخلت كان هنا على النفي وأتى به في صورة الممكن ليكون أبلغ في النفي . قوله تعالى :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها .
ابن عرفة : تضمنت الآية أنهم على ثلاثة أقسام مؤمن مجاهد في سبيل اللّه ثابت على دينه ، وآخرون ارتدوا على أعقابهم وهموا بالردة ، وآخرون اشتغلوا بالغنائم ومتاع الدنيا ، قال تعالى في سورة هود :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ
[ سورة هود : 15 ] ، وقال تعالى في الإسراء :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً
[ سورة الإسراء : 18 ] ، وقال تعالى في سورة الشورى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
[ سورة الشورى : 20 ] ، وقال ابن عطية : هذه الآية مقيدة بآية الإسراء ؛ لأن ذلك مشروط بالمشيئة إذ ليس كل من أراد الدنيا نالها بل كثير من الناس أرادها ، ولم ينلها ، لقوله تعالى :
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ سورة الإسراء : 18 ] يقول الغيبة ، ولم يقل ما يشاء بياء الغيبة ، فقال ابن عرفة : هذا لا يحتاج إليه إذا جعلنا من للتبعيض ، ويمكن أن يجعلها للسبب ، ويكون من الكلام الموجه المحتمل للشيء وصفه ، مثل حديث " إذ لم تستحي فاصنع ما شئت " أي :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
قوته بسببها إما مراده ، وإما الخيبة من مراده ، وإما العذاب والشقاوة ، وعطف الثاني عليه يدل على الماضي هو الثواب ليس إلا قوله :
وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ،
راجع لقوله عز وجل :
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ
فهو دليل على أن من أراد ثواب الآخرة تنعم عليه في الدنيا وفي الآخرة ؛ لأن التكرار إنما يكون على النعمة فيعطف بمراده في الآخرة وينعم بسبب ذلك في الدنيا فيشكر اللّه على ذلك فيثاب أيضا عليه في الآخرة على شكره . قيل لابن عرفة : فمن طلب الدنيا بالآخرة يجوز ، قال فيه قبح ، ومثاله : رجل أنزل الجهاد وجلس للتجر ، ورجل آخر خرج مع المجاهدين قاصدا للتجر والغنيمة فهذا أقبح من الأول . قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ .
تفسير ابن عرفة — صفحة 425 | ابن عرفة