قال ابن عرفة : فأراد إبراهيم عليه الصلاة السّلام الانتقال من العلم النظري إلى العلم الضروري ، لأن النظري تعرض له الشكوك ، ولذلك يقول الفخر ابن الخطيب في كلامه هذا : التشكيك في الضروريات فلا يستحق له جوابا ، قيل له : علم الشيء ضروري لا ينظر في بقاء علمه فنفس الإحياء ضروري ، وبكيفيته نظري ، وقول النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم : " نحن أحق بالشك عن إبراهيم " على سبيل الفرض والتقدير في جهة إبراهيم ، وعلى جهة التواضع منه عليه الصلاة والسّلام ، أي لو فرض وقوع الشك من إبراهيم لكنا أحق بذلك منه ، تأول عياض في الشفاء هذه الآية بستة أوجه :
أحدهما : ما تقدم أنه طلب زيادة اليقين ؛ لأن العلوم تتفاوت .
الثاني : علم وقوعه ، وأراد مشاهدته ، وكيفيته .
الثالث : المراد اختيار منزلته عند اللّه تعالى ، وأن يعلم إجابة دعوته ، والمراد ولم يؤمن بمنزلتك مني واصطفاء ربك .
الرابع : لما احتيج على الكفار بأن اللّه يحيي ويميت طلبه من ربه ؛ ليصح احتجاجه عيانا .
الخامس : أنه سؤال على طريق الأدب أي أقرني على إحياء الموتى .
والسادس : أنه أمن من نفيه بالشك فلم يشك لكن يجاب فيزداد قربه ، وقوله : " ونحن أحق بالشك من إبراهيم لكنا أولى الشك من إبراهيم " نفي لأن يكون من إبراهيم شك أي موقنون بالبعث [ 16 / 74 ] وإحياء الموتى ، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه أو على طريق الأدب ، أو المراد منه الذي يجوز عليهم الشك ، أو هو تواضع ، وأما قوله تعالى :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
[ سورة يونس : 94 ] فقيل : معناه قل يا محمد للشاك إن كنت في شك ، كقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي
[ سورة يونس : 104 ] وقيل : لمن امترى ،
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ
[ سورة يونس : 94 ] ، وقيل : المخاطب غير ممتر قيل : أنه تقدير كقوله تعالى :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ سورة المائدة : 116 ] وقد علم أنه لم يقل ، وقيل : إن كنت في شك فاسأل تزدد علما إلى علمك ، وقيل : إن كنت شاكا فيما شرفناك به فاسألهم عن صفتك في الكتب ، وقيل : إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا إليك ، قال عياض : واخذوا أن يخطر ببالك ما نقله بعضهم عن ابن