الأول : أن قوله :
أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ
لا يقتضي العلم بل مقتضاه أن العلم الحاصل لهم لا يقارب علم اللّه ولا يدانيه .
الثاني : أن العلم المنفي أولا عند المثبت أخرا ، فالمنفي هو العلم بأنهم كانوا هودا أو نصارى ، والمثبت الذي داموا على كتمه ، هو العلم بأن إبراهيم عليه السّلام كان حنيفا مسلما ، وهم أولا ادعوا ما لا يعلمون ثم كتموا ما يعلمون .
قوله تعالى :
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ .
جعله الزمخشري مستقبلا حقيقة ، وقال : وفائدة الإخبار به قبل وقوعه ، أن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع ، ابن عطية :
عن ابن عباس وغيره : أنه من وضع المستقبل موضع الماضي لدلالته على دوام ذلك واستمرارهم عليه ، ابن عطية : وإنما قال من الناس ، لأن الصفة تكون من الجمادات والحيوانات ثوب سفية أي خفيف النسج ، ورده ابن عرفة : بأن القول المسند إليه في الآية يخصصه بالحيوان ، قال : وإنما عادتهم يجيبون : بأمرين :
أحدهما : أنه لو لم يذكر لاحتمل كون هذا القول من الجن ، وكأن يكون ضمير الغيبة في قولهم :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ
مرجحا لهذا الاحتمال ، ويقال : لو كان من الإنس لقال : ما ولاكم عن قبلتكم لحضورهم معهم ، فقبل من الناس ليخرج الجن ، قال تعالى :
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
[ سورة الناس :
5 ] .
الثاني : أنه إشارة صدرت من رؤسائهم وأشرافهم ، ومن المنافقين الذين آمنوا ظاهرا أو من على اليهود ولم يصدر من القوم والجهال بوجه ، وذلك في سبيل التعبير عليهم ، والتبكيت لهم فكفر أبي جهل ليس ككفر غيره .
قوله تعالى :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ .
عبر بلفظ الغيبة ، إشارة إلى أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ولم يباشروا به المؤمنين بوجه ، وهذا مرجح لأن تكون المقالة من المنافقين ، قال ابن العربي في القبس : إن هذا مما نسخ ثلاث مرات ، وليس في القرآن ما نسخ ثلاث مرات غيره .