قوله تعالى :
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ .
ولم يقل : من فعل .
قال ابن عرفة : في التعبير بالمضارع ترج وإطماع لهم في العفو لأن من فعل ذلك في الماضي وتاب لا يجازى بالخزي إنما يجازى به من لم يتب .
قوله تعالى :
يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ .
فإن قلت : تقتضي عدم الحلول في المردود إليه ، قلنا : هؤلاء كانوا فيما هو من جنس ذلك العذاب لأن العذاب نالهم في الدنيا
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ،
فإن قلت : هو أشد وعذاب [ 6 / 31 ] المنافقين أشد وعذاب الدهرية لنفيهم الصانع ، قلنا :
أشد مقولة بالتشكيك والمراد أشد العذاب الذي علم الله حلوله بهم في الدنيا والآخرة فلا ينافي أن يحمل بغيرهم ما هو أشد منه فعذاب الدهرية أشد ، وعذاب المجوس أشد ، وكان بعضهم يقول : إن الدهرية لم يدعوا نفي وجود الصانع ، إنما قالوا :
ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[ سورة الجاثية : 24 ] فادعوا أن لهم خالقا فقط أوجدهم ، أو نقول قول اللّه :
الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
[ سورة النساء : 145 ] ولم يعين أنه أسفل الطبقات معنا في المراد أنه أسفل من غيره بالإطلاق فيصدق كونه أسفل من طبقة أمامها ، قلت : الآية خرجت مخرج الذم للمنافقين ، والدرك معرف بالألف واللام البعدية ، والمعهودة هنا في الأسفل أنما هو ما بلغ الآية في الانخفاض ، لا سيما إن قلنا : الأصح الأخذ بأواخر الأشياء .
قيل لابن عرفة : ظاهر الآية أن من كفر بالجميع عذابه أخف من عذاب من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه مع أن كفر الأول أشد ، فأجاب : بأن الإيمان بالبعض دليل على حصول كفر العالم أشد من كفر الجاهل ، قلنا : أو يجاب بأن عذاب الجميع متساو فيصدق على كل فريق أن عذابه أشد وهم مستوون في الأشدية ، أو المراد أشد العذاب المعهود في الدنيا ، أن عذاب الدنيا على أنواع منها الضرب ، والسجن ، وأشدها ، عذاب النار أي يردون إلى عذاب النار .
قوله تعالى :
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ .
ابن عرفة : هذا ليس بتكرار فالأول اقتضى أن ذلك العذاب لا يرجى من فاعله شفقة على المفعول ولا تخفيف عنه ، والثاني : قضى أنه لا يقدر أحد على استخلاص المفعول عن ذلك العذاب وقصدته بوجه .