تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
والحسد من جهة أنه شر كله ، ومن جهة أنه أخفى من غيره ، وكان ما هو منه من النساء أعظم لأن مبنى صحته وقوة تأثيره قلة العقل والدين ورداءة الطبع وضعف اليقين وسرعة الاستحالة ، وهن أعرق في كل من هذه الصفات وأرسخ ، وكان ما وجد منه من جمع وعلى وجه المبالغة أعظم من غيره عرف وبالغ وجمع وأنث ليدخل فيه ما دونه من باب الأولى فقال تعالى :
النَّفَّاثاتِ
أي النفوس الساحرة سواء كانت نفوس الرجال أو نفوس النساء أي التي تبالغ في النفث وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق - هكذا في الكشاف ، وقال صاحب القاموس : وهو كالنفخ وأقل من التفل ، وقال : تفل : بزق ، وفي التفسير عن الزجاج أنه التفل بلا ريق ،
فِي الْعُقَدِ *
أي تعقدها للسحر في الخيوط وما أشبهها ، وسبب نزول ذلك أن يهوديا سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فمرض كما يأتي تخريجه ، فإن السحر يؤثر بإذن اللّه تعالى المرض ويصل إلى أن يقتل ، فإذا أقر الساحر أنه قتل بسحره وهو مما يقتل غالبا قتل بذلك عند الشافعي ، ولا ينافي قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[ المائدة : 67 ] كما مضى بيانه في المائدة ، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في وصفه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه مسحور ، فإنهم ما أرادوا إلا الجنون أو ما يشبهه من فساد العقل واختلاله ، والمبالغة في أن كل ما يقوله لا حقيقة له كما أن ما ينشأ عن المسحور يكون مختلطا لا تعرف حقيقته . ولما كان أعظم حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد ، وهو تمني زوال نعمة المحسود :
وداريت كل الناس إلا لحاسد * مداراته عزت وشق نوالها
وكيف يداري المرء حاسد نعمة * إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
قال تعالى :
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ
أي ثابت الاتصاف بالحسد معرق فيه ، ونكّره لأنه ليس كل حاسد مذموما ، وأعظم الحسدة الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان بالغفلات . ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه بالإصابة بالعين أو غيرها قال مقيدا له :
إِذا حَسَدَ *
أي حسد بالفعل بعينه الحاسدة ، وأما - إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره ، وفي إشعار الآية الدعاء بما يحسد عليه من نعم الدارين لأن خير الناس من عاش محسودا ومات محسودا ، ولمن لم يلق بالا للدعاء بذلك ويهتم بتحصيل ما يحسد عليه ضحك منه إبليس إذا تلا هذه الآية لكونه ليس له فضيلة يحسد عليها ، ولعله عبر بأداة التحقيق إشعارا بأن من كان ثابت الحسد متمكنا من الاتصاف به بما أشعر به التعبير بالوصف تحقق منه إظهاره ، ولم يقدر