تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
وصفاء القلب عون على إدراك العلوم ، وبإدراك العلوم تنال الدرجات العلا في الدنيا والآخرة ، وصرف الاسم هنا على معنى الحي ليكون الاسم بمادته دالّا على الجمع ، وبصرفه دالّا على الحياة إشارة إلى كمال حياتهم ظاهرا وباطنا ، قال سيبويه في معد وقريش وثقيف : صرف هذه الأحياء أكثر ، وإن جعلتها اسما للقبائل - يعني فمنعتها - فجائز حسن ، والذي يدل على تعلق اللام بفعل دلت عليه الفيل أن السورتين في مصحف أبيّ رضي اللّه عنه سورة واحدة من غير فصل ، وأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة رويا عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : صلى بنا عمر رضي اللّه عنه المغرب فقرأ في الأولى بالتين والزيتون ، وفي الثانية ألم تر كيف ولئيلاف قريش . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لاخفاء في اتصالهما أي أنه سبحانه وتعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش ، وهم سكان الحرم وقطان بيت اللّه الحرام ، وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا بمكة وتأمن ساحتهم - انتهى . ولما علل بالإيلاف وكان لازما ومتعديا ، تقول : آلفت المكان أولفه إيلافا فأنا مؤلف وآلفت فلانا هذا الشيء أي جعلته آلفا له ، وكان الإتيان بالشيء محتملا لشيئين ثم إبدال أحدهما منه أضخم لشأنه وأعلى لأمره ، أبدل منه قوله : ( إلفهم ) أي إيلافنا إياهم
رِحْلَةَ الشِّتاءِ
التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون بها متاجر الجنوب
وَالصَّيْفِ *
التي يرحلونها إلى الشام في زمنه لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الشمال ، وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المكرم المعظم ببيت اللّه والناس يتخطفون من حولهم ، ففعل اللّه تعالى بأصحاب الفيل ما فعل ليزداد العرب لهم هيبة وتعظيما فتزيد في إكرامهم لما رأت من إكرام اللّه تعالى لهم فيكون لهم غاية التمكن في رحلتهم ، والرحلة بالكسر هيئة الرحيل ، وقرىء بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها ، وكانوا معذورين لذلك لأن بلدهم لا زرع به ولا ضرع ، فكانوا إذا ضربوا في الأرض قالوا : نحن سكان حرم اللّه وولاة بيته ، فلا يعرض أحد بسوء ، فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة ، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف ، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف ، وكان يقسم ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، وفي ذلك يقول الشاعر :
قل للذي طلب السماحة والندى * هلا مررت بآل عبد مناف
الرائشين وليس يوجد رائش * والقائلين هلم للإضياف
والخالطين فقيرهم بغنيهم * حتى يكون فقيرهم كالكاف