تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
لأنه ليس كلهم كان يشبع ، ولأن من كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده « ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » « 1 » . ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر ، ذكر السبب في إقامة العيش بنعمة الباطن فقال :
وَآمَنَهُمْ
أي تخصيصا لهم
مِنْ خَوْفٍ *
أي شديد جدا من أصحاب الفيل ومما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات وبالأمن من الجذام بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ومن الطاعون والدجال بتأمين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم به من الإيلاف ، فعلم أن آخرها علة لأولها ، ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع أولا فحماه اللّه لهم مما ذكر ، فيكون ذلك مسببا عن الإلف فيكون أولها علة لآخرها ، فقد التقى الطرفان ، والتأم البحران المغترفان ، وكما التقى آخر كل سورة مع أولها فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه أولها إذا عددت من الآخر إليها ، فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة على المتجر إيلافا لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه واختصاصهم بالأمر بعبادة الذي منّ عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان ، ومن أعظم مقاصد التوبة - المناظرة لهذه بكونها التاسعة من الأول - البراءة من كل مارق ، وأن فعل ذلك يكون سببا للألفة بعد ما ظن أنه سبب الفرقة ، وذكر مناقب البيت ومن يصلح لخدمته ، والفوز بأمانه ونعمته ، والبشارة بالغنى على وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر ، وأوفى وأوفر ، وأزهى وأزهر ، وأجل وأفخر ، بقوله تعالى :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ
الآيات ، [ التوبة : 17 ] وقوله تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ التوبة : 28 ] فعلم بهذا علما جليا أنه شرع سبحانه في رد المقطع على المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم اللّه بإنزال القرآن بلسانهم وأرسل به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم ، وتعظيمه لغناهم وأمانهم ، ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي أخذ فيها في رد المقطع على المطلع شديد المشابهة للسورة المناظرة لها حتى أن في كل منهما مع التي قبلها كالسورة الواحدة فإن براءة مع الأنفال كذلك حتى قال عثمان رضي اللّه تعالى عنه إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم توفي ولم يبين أمرها ، فلم يتحرر له أنها مستقلة عنها ، ولذلك لم يكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وكانت هذه التي من الآخر مقطوعا بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف أبيّ رضي اللّه تعالى عنه ، وقراءة عمر
هامش
( 1 ) تقدم مرارا .