تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
وهي للعارفين ، قال الملوي ما معناه : إن الإنسان إذا استشعر عقابا يأتيه أو خسرا ، لحقته حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن وقلقه واضطرابه لتوقع مكروه ، فإن اشتد سمي وجلا لجولانه في نفسه ، فإذا اشتد سمي رهبا لأدائه إلى الهرب ، وهي حالة المؤمنين الفارين إلى اللّه ومن غلب عليه الحب لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ينفك عن خوف إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة ، ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في شهود الجلاليات صار في الإجلال ، ووراء هذا الخشية
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك من جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه سبحانه ، ولم يقدح في البينة ولا توقف فيها ، وما فارق الخوف قلبا إلا خرب ، فكان جديرا بأن يقدح في كل ما أدى إلى العمارة ، وقد رجع آخر السورة على أولها بذلك ، وبتصنيف الناس صنفين : صنف انفك عن هوى نفسه فأنجاها ، وصنف استمر في أسرها فأرداها ، وقد ذكرت في « مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور » سر تخصيص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبيّ رضي اللّه عنه بقراءة هذه السورة عليه بخصوصها ، وحاصله أن سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة رضي اللّه عنهم قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما ، قال : فسقط في نفسي من التكذيب أشد مما كان في الجاهلية ، فضرب صلّى اللّه عليه وسلّم في صدري ففضت عرقا ، وكأنما أنظر إلى اللّه فرقا ، ثم قص عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف ، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل وفيها أن اللّه يبعث رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم يوم البعث شهيدا ، وأنه نزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة ، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا ، وأن اليهود اختلفوا في السبت ، وسورة ( لم يكن ) على قصرها حاوية إجمالا لكل ما في النحل على طولها بزيادة ، وفيها التحذير من الشك بعد البيان ، وتقبيح حال من فعل ذلك ، وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد ، فيكون شر البرية ، فقرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليه رضي اللّه عنه تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا فيكون أرسخ في النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع ، فاختصه اللّه بالتثبيت وأراد له الثبات ، فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لصدره من كشفه الحجب ونفي الشياطين والنظر إلى سبحات القدس وشهود تلك الحضرة الشماء ، وصيرورته إلى أن يكون أصفى الصحابة رضي اللّه عنهم مراقبة لتلاوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما يتذكر من الأمر الشريف بتخصيصه بذلك ، فيصير كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائبا عن تلاوة نفسه مصغيا بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل إليه بسر تلك
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 502 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي