تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩

[ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 11 إلى 19 ]

وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ( 12 ) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 ) ولما ذكر من يحب حبه في اللّه ذكر من يبغض في اللّه ، وعلامة الحب الاقتداء ، وعلامة البغض التجنب والانتهاء والابتداع والإباء ، فقال :
وَيَتَجَنَّبُهَا
أي يكلف نفسه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي نشاء تذكيره بها من أشرف الخلائق وأعظمهم وصلة بالخالق . ولما كان هذا الذي يعالج نفسه على العوج شديد العتو قال :
الْأَشْقَى *
أي الذي له هذا الوصف على الإطلاق لأنه خالف أشرف الرسل فهو لا يخشى فكان أشقى الناس ، كما أن من آمن به أشرف ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسّلام . ولما ذكر وصفه الذي أوجب له العمل السئ ، ذكر جزاءه فقال :
الَّذِي يَصْلَى
أي يباشر مباشرة الغموس بقلبه وقالبه مقاسيا
النَّارَ الْكُبْرى *
أي التي هي أعظم الطبقات وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى ، بل هو كالجلمود الأقسى لأنه جاهل مقلد أو متكبر معاند ، أو المراد نار الأخرى فإنها أعظم من نار البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءا ، فلهذا استحقت أن تتصف بأفعل التفضيل على الإطلاق ، والآية من الاحتباك : ذكر الثمرة في الأول وهي الخشية دليلا على حذف ضدها من الثاني ، وهي القسوة الناشئة على الحكم بالشقاوة ، وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة دليلا على حذف ضده في الأول وهو السعادة ، فالإسعاد سبب والخشية ثمرة ، والإشقاء سبب والقساوة ثمرة ومسبب ، وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنها ، وسر ذلك أنه ذكر مبدأ السعادة أولا حثا عليه ، ومآل الشقاوة ثانيا تحذيرا منه ، قال الملوي : ولا شك أن القرآن العظيم على أحسن ما يكون من البراعة في التركيب وبداعة الترتيب وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم التكرار ، فيكتفي في موضع بالثمرة بلا سبب وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة الأول على الثاني والثاني على الأول ، فيضم السبب إلى الثمرة والثمرة إلى السبب كما يطلق القضاء ويكتفى به عن القدر ، ويطلق القدر ويكتفى به عن القضاء ، وكذلك يذكر الحكم ويتركان فيدل عليهما فتذكر الثلاثة ، ويظهر بمثال وهو أن من أراد إقامة دولاب يهندس أولا موضع البئر بسهمه وترسه ومداره وحوضه الذي يصب فيه المار وجداوله التي ينساق منها ، فهذا هندسة وتدبير وحكم وإرادة ، فإذا صنع ذلك وأتمه سمي قضاء وإيجادا وتأثيرا ، فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقدارا من الماء معينا إذا نزلت إلى الماء أخذته ، وإذا صعدت فانتهت وأرادت الهبوط فرغته فتصرف