تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
أثر بيانه للعلمية :
وَنُيَسِّرُكَ
أي نجعلك أنت مهيا مسهلا ملينا موفقا
لِلْيُسْرى *
أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ذلك من الطرائق والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة - كما أشار إليه قوله : « كل ميسر لما خلق له » « 1 » ولهذا لم يقل : ونيسر لك ، لأنه هو مطبوع على حبها . ولما كمله صلّى اللّه عليه وسلّم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية التيسير ، سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة تكميلا لغيره شفقة على خلق اللّه بعد لما له في نفسه فإن للّه ساعات له فيها نفحات تقضى فيها الحاجات ، وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج المرضى فيقوم بنفع عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى أن التلميذ يحتاج إلى إذن المشايخ وتزكيتهم ، وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان على ما عنده ولا يطلب الازدياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى :
فَذَكِّرْ
أي بهذا الذكر الحكيم ، وعبر بأداة الشك إفهاما للإطلاق الكليّ فقال :
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى *
أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو كان على وجه ضعيف - بما أشار إليه تأنيث الفعل بعد ما أفادته أداة الشك ، ولا شك أن الإنسان لعدم علمه الغيب لا يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده ، ولهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يزال يدعو إلى اللّه تعالى وإن اشتد الأمر ، ولا يحقر أحدا أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه ، والأمر بالإعراض عمن تولى ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن تقطيع النفس لأجله حسرات ونحو ذلك . ولما أمره بالتذكير لكل أحد ، قسم الناس له إلى قسمين : قسم يقبل العلاج ، وقسم لا يقبله ، إعلاما بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين جملة وأفرادا على التعيين ولم يزل عالما بذلك ، ولكنه لم يعين ابتلاء منه لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة ، فقال حاثا على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان وغيرهما :
سَيَذَّكَّرُ
أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير - بما أشار إليه الإدغام
مَنْ يَخْشى
أي في جبلته نوع خشية ، وهو السعيد لما قدر له في نفسه من السعادة العظمى لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها في نفسه فيتعظ ، فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في الجنة العليا ويحيى فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى ، دائما بلا آخر وانتهاء .
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 6596 و 7551 ومسلم 2649 وأبو داود 4709 والطبراني في الكبير 18 / 266 وابن حبان 333 وأبو نعيم في الحلية 6 / 294 وأحمد 4 / 431 من حديث عمران بن حصين .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 398 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي