تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
موضعا للتنصل منه والبعد عنه ، وذلك في كلام العرب شائع معروف سائغ . ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقا أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام دلت على القدرة عليه دلالة جلية ، أتبعه دلالة أجلى منها بما يشاهد من خراب العالم النفسي فقال منكرا على من يكذب به تكذيبهم مع ما كان منه سبحانه إلى من كذب الرسل ومن آمن بهم :
أَ لَمْ نُهْلِكِ
أي بما لنا من العظمة
الْأَوَّلِينَ *
أي إهلاك عذاب وغضب بتكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام كقوم نوح ومن بعدهم أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ، لم ندع منهم أحدا . ولما كان إهلاك من في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إن لم ينقص عن إهلاك الأولين لم يزد ، وكان جواب هذا التقدير : بلى قد أهلكتهم ، قال عاطفا على هذا الذي أرشد السياق إليه إرشادا ظاهرا جعله كالمنطوق ما تقديره : نعم أهلكناهم
ثُمَّ
أي بعد إهلاكنا لهم . ولما كان الفعل مرفوعا ، علمنا أنه ليس معطوفا على « تهلك » ليكون تقديرا ، بل هو إخبار للتهديد تقديره : نحن إن شئنا
نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ *
أي الذين في زمانك من كفار العرب وغيرهم لتكذيبهم لك أو الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب الفيل . ولما هدد من واجه الرسل بالتكذيب تسلية لهم ، سلى من قطعوه من أتباعهم مما يجب وصله بهم من المعروف فقال مستأنفا منبها على الوصف الموجب لذلك الإهلاك :
كَذلِكَ
أي مثل ذلك الإهلاك
نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ *
أي جميع الذين يفعلون فعل أولئك الذين يقطعون ما أمر اللّه به أن يوصل وهم عريقون في ذلك القطع ، وذلك مثبت لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على جمعهم لوقت الإجرام وعلى فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ومصدقيهم فلا بد من إيجادنا ليوم الفصل :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
أي إذ يوجد
لِلْمُكَذِّبِينَ *
أي بالعاصفات التي أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب وإمطار الحجارة وأخرى بواسطة الماء وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة .

[ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 20 إلى 31 ]

أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 29 ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ( 31 ) ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال على القدرة التامة على البعث وعلى ما