تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
السقوف وما بها من القناديل بأسهل أمر
وَإِذَا الْجِبالُ
أي على صلابتها
نُسِفَتْ *
أي ذهب بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح ، فكانت هباء منبثا فلم يبق لها أثر ، وذلك كما ينسف الحب ، فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي ، لأن تلك الدار ليست بدار أسباب . ولما ذكر تغيير السماء والأرض ، ذكر ما فعل ذلك لأجله فقال :
وَإِذَا الرُّسُلُ
أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوهم
أُقِّتَتْ *
أي بلّغها الذي لا قدير سواه بأيسر أمر ميقاتها الذي كانت تنتظره ، وهو وقت قطع الأسباب وإيقاع الرحمة والثواب للأحباب والنقمة والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد جمعهم على الأمم بما كان منهم من الجواب ، وحذف العامل في « إذا » تهويلا له لتذهب النفس فيه كل مذهب ، فيمكن أن يكون تقديره : وقع ما توعدون فرأيتم من هذا الوعيد ما لا يحتمل ولا يثبت لوصفه العقول ، وعلى ذلك دل قوله ملقنا لما ينبغي أن يقال ، وهو
لِأَيِّ يَوْمٍ
أي عظيم
أُجِّلَتْ *
أي وقع تأجيلها به ، بناه للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل لا كونه من معين ، وتنبيها على أن المعين له معلوم أنه اللّه الذي لا يقدر عليه سواه ، ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله مبدلا من « لأي يوم » :
لِيَوْمِ الْفَصْلِ *
أي الذي إذا أطلق ذلك لم ينصرف إلا إليه لأنه لا يترك فيه شيئا إلا وقع الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل وحقير ، ثم هوله وعظمه بقوله :
وَما أَدْراكَ
أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في التعرف ، ثم زاده تهويلا بقوله :
ما يَوْمُ الْفَصْلِ *
أي إنه أمر يستحق أن يسأل عنه ويعظم ، وكل ما عظم بشيء فهو أعظم منه ، ولا يقدر أحد من الخلق على الوصول إلى علمه لأنه لا مثل له يقال عليه . ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال :
وَيْلٌ
أي هلاك عظيم جدا
يَوْمَئِذٍ
أي إذ يكون يوم الفصل
لِلْمُكَذِّبِينَ *
أي بالمرسلات التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر اللّه ، والويل في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله ، عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه ، وقد كررت هذه الجملة بعدة المقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من الطمس وما بعده وهو تسعة أشياء ، وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من المذكورات ، والعاشرة للتأكيد دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما أن الواحد لا ينتهي على أنها لو كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسنا ، فإن من كذبك في أشياء كان من البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له عند قيام الدليل « ويل لك » ثم تفعل فيما بعده كله كذلك وتعيد عليه ذلك القول بعينه تأكيدا له وتحقيقا لوقوع معناه دلالة على أن الغيظ قد بلغ منتهاه والفجور وانقطاع العذر لم يدع