الصحابة رضي اللّه عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز ، وكان الخبز إذ ذاك عزيزا حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الاسلام ، وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما دفعهم إليهم قال : « استوصوا بهم خيرا « 1 » » ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرور يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال إن احتيج إليه إزاحة لتوهم المن أو توقع المكافأة مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد أحد يصدق أنه يتأتى لأحد :
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ
أي أيها المحتاجون
لِوَجْهِ اللَّهِ
أي لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك ، وعبر به لأن الوجه يستحيى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته .
ولما أثبتوا بهذا الإخلاص ، حققوه بنفي ما يغير فيه ، وفسروه بما لا يكون إلا به فقالوا :
لا نُرِيدُ مِنْكُمْ
أي لأجل ذلك
جَزاءً
أي لنا من أعراض الدنيا
وَلا شُكُوراً *
بشيء من قول ولا فعل ، وكأنه اختير هذا المصدر المزيد كالدخول والخروج والقعود إيماء إلى أن المنفي ما يتكلف له ، وأما مثل المحبة والدعاء فلا ، ولو أرادوا شيئا من ذلك لما كان للّه ، وروي في سبب نزول هذه الآية : « أن عليا وابنيه وأمهما فاطمة رضي اللّه عنهم أجمعين آثروا على أنفسهم ثلاثة أيام ، وأصبحوا الرابع يرتعشون ، فلما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ساءه ذلك ، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسّلام بهذه السورة مهنئا له بها » « 2 » ولا يستبعد الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ربما كانت للنفس هيئة قوية من استغراق في محبة اللّه تعالى أو غير ذلك ، فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن تحليل الأجزاء فلا يحصل الجوع كما أنا نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد مدة من غير تناول شيء من غذاء ولا يتأثر بدنه لذلك ، فلا بدع أن تقف الأفعال الطبيعية في حق بعض السالكين وهو أحد القولين في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني « 3 » » .
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 1163 وابن ماجة 1851 من حديث عمرو بن الأحوص في أثناء خبر طويل وقال الترمذي : حسن صحيح . وصححه ابن القيم في زاد المعاد 4 / 46 وله شواهد كثيرة .
( 2 ) هو بعض حديث مطول ذكره بعض أهل التفسير وهو باطل . قال ابن حجر في الكشاف 4 / 670 :
أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات وقال الحكيم الترمذي في نوادره : هو حديث مزوق مفتعل لا نشك في وضعه ا ه .
( 3 ) صحيح . أخرجه البخاري 7299 و 7242 ومسلم 1103 والدارمي 2 / 8 والبيهقي 4 / 282 وأحمد 2 / 231 و 516 من حديث أبي هريرة في خبر الوصال وفيه « إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني » . وله ألفاظ أخر . وليس في شيء منها « أبيت عند ربي » فهذا اللفظ غريب جدا .