الأنفس والآفاق ، وجعلنا له من البصيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام الخالق والحق والباطل وما أشبهه .
ولما كان الإنسان عند البيان قد كان منه قسمان ، وكان السياق لبيان تعظيمه بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق ، قال بانيا حالا من ضميره في
« هَدَيْناهُ »
مقسما له مقدما القسم الذي أتم عليه بالبيان نعمة الهداية بخلق الإيمان ، لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه للإنسان ، بجعله خلاصة الوجود وبقوله « إن رحمتي سبقت غضبي « 1 » » في سياق ابتداء الخلق ، معبرا باسم الفاعل الخالي عن المبالغة ، لأنه لا يقدر أحد أن يشكر جميع النعم ، فلا يسمى شكورا إلا بتفضل من ربه عليه :
إِمَّا شاكِراً
أي لإنعام ربه عليه .
ولما كان الإنسان ، لما له من النقصان ، لا ينفك غالبا عن كفر ما ، أتى بصيغة المبالغة تنبيها له على ذلك معرفا له أنه لا يأخذه إلّا بالتوغل فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على من يرضى منه بقليل الشكر ، ويحتمل أن يفهم ذلك أن من كفر نعمة واحدة فقد كفر الجميع فصار بليغ الكفر فقال :
وَإِمَّا كَفُوراً
أي بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة ، وبدأ بالشكر لأنه الأصل ، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه « 2 » » الحديث ، ورواه أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ورواه الإمام أحمد عن جابر رضي اللّه عنه ولفظه : « كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا « 3 » » رواه الإمام أحمد أيضا وأبو يعلى عن الأسود بن سريع رضي اللّه عنه « 4 » .
[ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 4 إلى 9 ]
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ( 4 ) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ( 5 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( 8 )
إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 )
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 7554 و 3194 ومسلم 2751 والترمذي 3543 وابن حبان 6143 و 6144 والطبري 13096 والبيهقي في الأسماء والصفات ص 395 و 416 وأحمد 2 / 313 و 242 من حديث أبي هريرة .
( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 1358 و 1359 و 138 ومسلم 2658 وابن حبان 128 - 130 وأحمد 2 / 282 و 346 من حديث أبي هريرة .
( 3 ) أخرجه أحمد 3 / 353 من حديث جابر .
( 4 ) حديث الأسود بن سريع أخرجه أبو يعلى 942 وأحمد 3 / 435 و 4 / 24 وذكره الهيثمي في المجمع 5 / 316 وقال : رواه أحمد بأسانيد والطبراني في الكبير والأوسط وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح .