تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
ولما قسمهم إلى القسمين ، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفا جواب من يسأل عن ذلك مبشرا للشاكر الذي استعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات لروح وريحان وجنة نعيم ، ومنذرا للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم ، مقدما للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح ، وليعادل البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء ، وليكون الشاكر أولا وآخرا ، ولأن الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية ، وأكثر في القرآن العظيم من الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس دون الحجج والبراهين ، فإنها لا يفهمها إلا الخواص ، وأكد لأجل تكذيب الكفار :
إِنَّا
أي على ما لنا من العظمة
أَعْتَدْنا
أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة
لِلْكافِرِينَ
أي العريقين في الكفر خاصة ، وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ترقيا فقال : سلسلا يقادون ويرتقون بها ، وقراءة من نوّن مشيرة إلى أنها عظيمة جدا ، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف
وَأَغْلالًا
أي جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون بها
وَسَعِيراً *
أي نارا حامية جدا شديدة الاتقاد . ولما أوجز في جزاء الكافر ، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه تأكيدا للترغيب ، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف بأتمه وأجله ، فقال مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافر مبينا بذكر الخمر على هذه الصفة أنهم في أنهى ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع مقدماتها ومتمماتها :
إِنَّ الْأَبْرارَ
بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب جمع رب ، أو بار كأشهاد جمع شاهد ، وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا
يَشْرَبُونَ
أي ما يريدون شربه
مِنْ كَأْسٍ
أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه
كانَ مِزاجُها
أي الذين تمزج به
كافُوراً *
أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه ، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأنا في المزج عظيما يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد . ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامدا ، بين أنه هناك ليس كذلك ، فقال مبدلا من « كافور » :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها
أي بمزاجها كما تقول : شربت الماء بالعسل
عِبادُ اللَّهِ
أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب أرادوه .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 266 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي