ولما كان في حال تدثره قد لزم موضعا واحدا فلزم من ذلك إخفاء نفسه الشريفة ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالقيام ، وسبب عنه الإنذار إشارة إلى أن ما يراد به من أنه يكون أشهر الخلق بالرسالة العامة مقتض لتشمير الذيل والحمل على النفس بغاية الجد والاجتهاد اللازم عنه كثرة الانتشار ، فهو مناف للتدثر بكل اعتبار فقال :
قُمْ
أي مطلق قيام ، ولا سيما من محل تدثرك بغاية العزم والجد .
ولما كان الأمر عند نزول هذه السورة في أوله والناس قد عمهم الفساد ، ذكر أحد وصفي الرسالة إيذانا بشدة الحاجة إليه فقال مسببا عن قيامه :
فَأَنْذِرْ
أي فافعل الإنذار لكل من يمكن إنذاره فأنذر من كان راقدا في غفلاته ، متدثرا بأثواب سكراته ، لاهيا عما أمامه من أهوال يوم القيامة ، وكذا من كان مستيقظا ولكنه متدثر بأثواب تشويفاته وأغشية فتراته ، فإنه يجب على كل مربوب أن يشكر ربه وإلا عاقبه بعناده له أو غفلته عنه بما أقله الإعراض عنه ، وحذف المفعول إشارة إلى عموم الإنذار لكل من يمكن منه المخالفة عقلا وهم جميع الخلق ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان نزل عليه جبريل عليه السّلام ب
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 ] ونحوها فكان بذلك نبيا ثم نزلت عليه هذه الآية فكان بها رسولا ، وذلك أنه نودي وهو في جبل حراء ، فلما سمع الصوت نظر يمينا وشمالا فلم ير شيئا ، فرفع رأسه فإذا جبريل عليه الصلاة والسّلام جالس على عرش بين السماء والأرض ، ففرق من ذلك أشد الفرق ، فبادر المجيء إلى البيت ترجف بوادره وقال :
« دثروني دثروني ، لقد خشيت على نفسي ، صبوا عليّ ماء باردا » « 1 » .
ولما كان الإنذار يتضمن مواجهة الناس بما يكرهون ، وذلك عظيم على الإنسان ، وكان المفتر عن اتباع الداعي أحد أمرين : تركه مما يؤمر به ، وطلبه عليه الأجر ، كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه ، وبعده عن أخذ الأجر عليه ، أمره بتعظيم من أرسله سبحانه فإنه إذا عظم حق تعظيمه صغر كل شيء دونه ، فهان عليه الدعاء وكان له معينا على القبول فقال :
وَرَبَّكَ
أي المربي لك خاصة
فَكَبِّرْ *
أي وقم فتسبب عن قيامك بغاية الجد والاجتهاد أن تصفه وحده بالكبرياء قولا واعتقادا على كل حال ، وذلك تنزيهه عن الشرك أول كل شيء ، وكذا عن كل ما لا يليق به من وصل وفصل ، ومن سؤال غيره ، والاشتغال بسواه .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ملاءمتها لسورة المزمل واضحة ، واستفتاح
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4 و 4923 و 494 و 4954 ومسلم 161 والترمذي 3325 وابن حبان 34 وأبو نعيم في الدلائل 1 / 278 وأحمد 3 / 306 و 392 من حديث أبي سلمة عن جابر بألفاظ متقاربة .