تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
اللّه ونعم الوكيل » « 1 » ويجوز أن يكون التسبب عن الأمر بالصبر ، أي اصبر فلنأخذن بثأرك في ذلك اليوم بما يقر عينك ، فيكون تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتهديدا لهم . ولما ذكر هذا الشرط هل ( ؟ ) الذي صوره بصوره هائلة ، أجابه بقوله :
فَذلِكَ
أي الوقت الصعب الشديد العظيم الشدة جدا البالغ في ذلك مبلغا يشار إليه إشارة ما هو أبعد بعيد ، وهو وقت النقر ، ثم أبدل من هذا المبتدأ زيادة في تهويله قوله :
يَوْمَئِذٍ
أي وقت إذ يكون ذلك النقر الهائل
يَوْمٌ عَسِيرٌ *
أي بالغ العسر
عَلَى الْكافِرِينَ
أي الذين كانوا يستهينون بالإنذار ويعرضون عنه لأنهم راسخون في الكفر الذي هو ستر ما يجب إظهاره من دلائل الوحدانية . ولما كان العسر قد يطلق على الشيء وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج فيرجع يسيرا ، بين أنه ليس كذلك بقوله :
غَيْرُ يَسِيرٍ *
فجمع فيه بين إثبات الشيء ونفي ضده تحقيقا لأمره ودفعا للمجاز عنه وتأييدا لكونه ولأنه غير منقطع بوجه ، وتقييده بالكافرين يشعر بتيسره على المؤمنين .

[ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 11 إلى 17 ]

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ( 17 ) ولما آذن هذا بأن أكثر الخلق يوافى يوم القيامة على كفره وخبث طويته وسوء أمره وكان ذلك مما يهم لشفقته صلّى اللّه عليه وسلّم على الخلق ، ولما يعلم من نصبهم للعداوة ، هون أمرهم عليه وحقر شأنهم لديه بوعده بالكفاية بقوله مستأنفا منبها على أسباب الهلاك التي أعظمها الغرور وهو شبهة زوجتها شهوة :
ذَرْنِي
أي أتركني على أي حالة اتفقت
وَمَنْ
أي مع كل من
خَلَقْتُ
أي أوجدت من العدم وأنشأت في أطوار الخلقة ، حال كونه
وَحِيداً *
لا مال له ولا ولد ولا شيء ، وحال كوني أنا واحدا شديد الثبات في صفة الوحدانية لم يشاركني في صنعه أحد فلم يشكر هذه النعمة بل كفرها بالشرك باللّه سبحانه القادر على إعدامه بعد إيجاده . ولما كان المطغى للإنسان المكنة التي قطب دائرتها المال قال :
وَجَعَلْتُ لَهُ
أي بأسباب أوجدتها أنا وحدي لا حول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه بدنا وقلبا وأوسع فكرا وعقلا وهو دونه في ذلك
مالًا مَمْدُوداً *
أي مبسوطا واسعا ناميا كثيرا
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي 2431 وابن المبارك 1597 وابن حبان 823 وأبو نعيم في الحلية 5 / 105 و 7 / 130 وأحمد 3 / 7 و 73 من حديث أبي سعيد الخدري قال الترمذي : حديث حسن ا ه . وفي إسناده عطية العوفي ضعيف لكن تابعه الأعمش عليه . - وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الحاكم 4 / 559 وأحمد 1 / 326 كلاهما من طريق عطية العوفي . وللحديث شواهد أخرى واللّه أعلم .