ربما زاد أو نقص تعمدا أو سهوا ، أخبر أن له صلّى اللّه عليه وسلّم من الوصف ما يحفظه فقال :
كَرِيمٍ *
أي هو في غاية الكرم الذي هو البعد عن مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف الآباء فهو لا يزيد ولا ينقص ، وكرم الشيء اجتماع الكمالات اللائقة به فيه .
[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 41 إلى 46 ]
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 43 ) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 )
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 )
ولما أثبت أنه قوله سبحانه وتعالى لأنه قول رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لنا وهو لا ينطق عن الهوى ، نفى عنه ما يتقولونه عليه ، فبدأ بالشعر وهو ما يقوله الإنسان من تلقاء نفسه على وزن مقصود صدقا كان أو كذبا ، ولا بد فيه للتقيد بالوزن والقافية من التكلف الذي القرآن بعيد عنه ، وهو مع مشاركته للسجع في التكلف الناقص للمعنى أعلى منه بالوزن الذي يكسبه الرونق والحلاوة فقال :
وَما هُوَ
أي هذا الذكر في باطن أمره ولا ظاهره ، وأكد النفي فقال :
بِقَوْلِ شاعِرٍ
أي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن ، وإنما قيل أنه ليس بقول من هو كذلك لأنه ، لا يوافق الوزن فيه إلا أماكن نادرة بالنسبة إلى مجموع القرآن ، ومن المقطوع به أن ذلك لا يرضى به شاعر وهو أنه ينصب نفسه منصب النظم والارتهان بعهدة الوزن ، ثم يأتي بكلام أكثره غير موزون ، فعلم قطعا أن الذي وافق الوزن فيه غير مقصود فليس بشعر .
ولما كانت مخالفة القرآن للشعر خفية من حيث أنه لا يعرف ذلك إلا الشعراء وهم قليل في الناس ، والأغلب لا يعرفون ذلك ، ختم الآية بالإيمان الذي هو التصديق بالغيب فقال تعالى :
قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ *
أي ما توجدون التصديق الذي هو الإيمان إلا إيجادا أو زمانا قليلا ، وذلك لأني قد أخبرتكم بذلك في غير موضع فلم تصدقوا وفيكم شعراء كثير يعرفون معرفة تامة أنه مخالف للشعر ، وقد أخبركم بعضهم بذلك كالوليد بن المغير وعتبة ابن ربيعة وغيرهما ثم لا تتبعون ذلك ثمرته ، وهو الإيمان باللّه ورسوله ، وإيمانهم القليل إقرار من أقر من شعرائهم أنه ليس بشعر ، وإخلاصهم بالوحدانية عند الاضطرار وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية ، وهو إيمان لغوي لا شرعي ، ولما كان من يعرف الشعر يعرف النثر فهو أعلى فقدمه ، أتبعه النثر فقال :
وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ
وهو المنجم الذي يخبر عن أشياء يوهمها لرئي يخبره بذلك ، وأغلبها ليس لها صحة ، وعبارته عن ذلك بالسجع المتكلف المقصود كونه سجعا الذي يكون المعنى فيه تابعا للفظ للتحلية بمشاكلة المقاطع .
ولما كانت مباينة القرآن للسجع خفية جدا لما فيه من الفواصل في الأغلب وتركها