حب الدنيا لأنه لا يمنعه من حث غيره على الخير إلا ادخاره لنفسه :
وَلا يَحُضُّ
أي يحمل ويحث
عَلى
بذل
طَعامِ
أو إطعام
الْمِسْكِينِ *
أي تسهيله بإعانته عليه إن كان موجودا ، والسؤال في بذله وما يقوم مقامه إن كان مفقودا ، فكيف بالبذل من عنده ، فإن ذلك لا يحمل عليه إلا الإيمان لخلوه عن حظ ، والتقييد يفهم أنه يحث على خدمة الأكابر الجبابرة ويحب العكوف على أبوابهم والإضافة مع التعبير بالطعام دون الإطعام تشعر بأن الفقراء يملكون كفايتهم من أموال الأغنياء ، فدل ذلك على أنه مع كفره هو أشنع صفات الباطن في غاية الشح والقساوة وعدم المروءة للإعراض عن أسباب التمدح وعن التنزه عن سوء القالة وقبيح الذكر ، وذلك أشنع الرذائل ، فلذلك خصص هذين الأمرين ، وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يحض على طعامهم ويقول :
خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع الآخر - يعني بالحث على الإطعام ، وذمه على الاستهان بالمساكين يفهم الذم على الاستهانة بمن هم دونهم ممن هو أسوأ حالا منهم بطريق الأولى .
ولما وصفه سبحانه وتعالى بأقبح العقائد وأشنع الرذائل ، سبب عنهما في مقابلة إفساد القوتين العلمية والعملية قوله :
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ
ولما ذكر الزمان المتعقب للبعث ، ذكر المكان الكائن فيه وهو الدار الآخرة فقال :
هاهُنا
أي في مجمع القيامة كله
حَمِيمٌ *
أي صديق خالص يحترق له ويحميه من العذاب لأنهم كلهم له أعداء كما أنه هو كان لا يرق على الضعفاء فيما هم فيه من الإقلال من حطام الأموال .
ولما نفى عنه الجاه لانسلاخه من حزب الملك الولي الودود ، وتحيزه إلى حزب الشيطان العدو الجحود ، أتبعه المقصود بالمال الذي تنشأ عنه جميع الاستمتاعات ويقصد عنده الاجتماع والأنس بالأصحاب لإخلاده إلى ماله وإعراضه عن عيال الملك لأجل ضعفهم الذي وهبه المال وأمره بمواساتهم فيه فقال :
وَلا طَعامٌ
ولما كان الاستثناء معيارا للعموم قال :
إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ *
أي غسالة أهل النار من فيحهم وصديدهم ، فعلين من الغسل ، ويلزم من هذا الطعام أن يكون تحت غيره ليسيل ماء غسالته إليه .
ولما حصر طعامهم فيما لا يقربه أحد باختياره ، حصر من يتناوله معبرا عنهم بالوصف الذي أوجب لهم أكله فقال :
لا يَأْكُلُهُ
وفرغ الاستثناء تنبيها على أن المستثنى هو المقصود حتى كأنه لا مستثنى منه فقال :
إِلَّا الْخاطِؤُنَ *
أي يأكله المتعمدون للخطايا لا غيرهم ، وهو من خطأ الرجل بوزن فرح مهموزا - إذا تعمد الذنب ، وأما المخطىء فهو من قصد الخير فلم يصبه بغير تعمد فليس
عَلَيْكُمْ جُناحٌ