تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
أيّ شيء فرضت من طول أو عرض
سَبْعُونَ ذِراعاً
يحتمل أن يكون هذا العدد حقيقة ، وأن يكون مبالغة ، والذي يدل على أنها للمبالغة ما رواه الترمذي - وقال : إسناده حسن - عن عبد اللّه بن عمرو « 1 » رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - وأرسلت من السماء إلى الأرض - وهي مسيرة خمسمائة سنة - لبلغت الأرض قبل الليل ، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها وقعرها » « 2 » وأشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال :
فَاسْلُكُوهُ *
أي أدخلوه بحيث يكون كأنه السلك - أي الحبل - الذي يدخل في ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه فيصير في غاية الضنك والهوان لا يقدر على حركة أصلا ، وهذا تعذيب القالب لأنه أفسد القلب بعدم الإيمان والقالب بعدم الأعمال . ولما ذكر على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه ، فقال بادئا بأعظمها مؤكدا لأن كل كافر حتى المعطل يقر باللّه تعالى نوع إقرار ويدعي الإيمان به نوع ادعاء ، لأنه لا يقدر على غير ذلك لما له سبحانه من غلبة الظهور وانتشار الضياء والنور :
إِنَّهُ كانَ
أي جبلة وطبعا وإن أظهر شيئا يلبس به على الضعفاء ويدلس على الأغنياء
لا يُؤْمِنُ
أي الآن ولا في مستقبل الزمان
بِاللَّهِ
أي الملك الأعلى الذي يعلم السر وأخفى . ولما كانت عظمة الملك موجبة لزيادة النكال لمن يعانده على قدر علوها ، وكان الذي أورث هذا الشقي هذا الخزي هو تعظمه على أمر اللّه وعباده ، أشار إلى أنه لا يستحق العظمة غيره سبحانه فقال :
الْعَظِيمِ *
أي الكامل العظم .

[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 34 إلى 40 ]

وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 40 ) ولما بين عناده للملك الأعظم بإفساده القوة العلمية بين ما يوجبه الكفر من احتقاره للضعفاء إفسادا للقوة العملية إعلاما بأنه مكلف بفروع الشريعة كما أنه مكلف بأصولها ، وبيانا لأن عناده لمن فوقه لرداءة طبعه لا لعلو همته ، فقال معظما لهذا الذنب لجعله في سياق الكفر وبالتعبير بالحض مشيرا به إلى أن فاعل ذلك شديد الاستغراق في
هامش
( 1 ) وقع في الأصل « عبد اللّه بن عمر » والتصويب من سنن الترمذي 2588 . ( 2 ) أخرجه الترمذي 2588 والحاكم 2 / 438 وأحمد 2 / 197 من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه . ولفظ الترمذي : « رضاضة » بدل « رصاصة » .