اللّه ، ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك ، فكأنه لا علم لهم قال :
وَهُمْ
أي والحال أن من شهد
يَعْلَمُونَ
أي على بصيرة مما شهدوا به ، فلذلك لا يعملون بخلاف ما شهدوا إلا جهلا منهم بتحقيق معنى التوحيد ، فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه وإن أشركوا ، أو يكون المعنى : وهم من أهل العلم ، والأصنام ليسوا كذلك ، وكأنه أفرد أولا إشارة إلى أن التوحيد فرض عين على كل أحد بخصوصه وإن خالفه كل غير ، وجمع ثانيا إيذانا بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به ، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله ، قال الرازي في اللوامع : وجميع الفرق إنما ضلوا حيث لم يعرفوا معنى الواحد على الوجه الذي ينبغي إذ الواحد قد يكون مبدأ العدد ، وقد يكون مخالطا للعدد ، وقد يكون ملازما للعدد ، واللّه تعالى منزه عن هذه الوحدات - انتهى . ففي الآية تبكيت لهم في أنهم يوحدون في أوقات ، فإذا أنجاهم الذي وحدوه جعلوا شكرهم له في الرخاء إشراكهم به ، ومنع لهم من ادعاء هذه الرتبة ، وهي الشهادة بالحق لأنهم انسلخوا بإشراكهم عن العلم ، وأن الملائكة لا تشفع لهم لأن ذلك يؤدي إلى أن تكون قد عملت بخلاف ما تعلم ، وذلك ينتج الانسلاخ من العلم المؤهل للشفاعة ، وقال ابن الجوزي : وفي الآية دليل على أن شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به .
ولما كان التقدير لتقرير وجود إلهيته في الأرض بالاجتماع : فلئن سألتهم من ينجيهم في وقت كروبهم ليقولن : اللّه ، ليس لمن ندعوه من دونه هناك فعل ، فقال عطفا عليه :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
أي الكفار
مَنْ خَلَقَهُمْ
أي العابدين والمعبودين معا ، أجابوا بما يدل على عمى القلب الحقيقي المجبول عليه والمطبوع بطابع الحكمة الإلهية عليه ، ولم يصدقوا في جواب مثله بقولهم : ( إذا سألتهم ) :
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
الذي له جميع صفات الكمال هو الذي خلق الكل ليس لمن يدعوه منه شيء ، ولذلك سبب عنه قوله :
فَأَنَّى
أي كيف ومن أي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر
يُؤْفَكُونَ *
أي يقلبون عن وجوه الأمور إلى أقفائها من قالب ما كائنا من كان ، فيدعون أن له شريكا تارة بالولدية ، وتارة بغيرها ، مع ما ركز في فطرهم مما ثبت به أنه لا شريك له لأن له الخلق والأمر كله .
ولما أبطل سبحانه شبهتهم ووهى غاية التوهية أمرهم في شركهم وادعائهم الولد وغير ذلك مما تضمنته أقوالهم الفاسدة المنسوبة إليهم في هذه السورة ، وأقام حجج الحق ، ونصب براهين الصدق ، وأثبت ما ينفعهم ، وحذرهم ما يضرهم ، حتى ختم ذلك بقوله مقسما مع جلالة قدره وعظم أمره
لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ
ثم حصر أمرهم في رد