تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله
كانُوا مُسْلِمِينَ
تُحْبَرُونَ
أي تكرمون وتزينون فتسرون سرورا يظهر أثره عليكم مستمرا يتجدد أبدا . ولما كان هذا أمرا سائقا إلى حالهم سابقا لمن كان واقفا عنهم إلى وصالهم ، أقبل على ما لعله يوقفه الاشتغال بلهو أو مال محركا لما جهل منه ، ومنبها على ما غفل عنه ، فقال عائدا إلى الغيبة ترغيبا في التقوى :
يُطافُ عَلَيْهِمْ
أي المتقين الذين جعلناهم بهذا النداء ملوكا
بِصِحافٍ
جمع صحفة وهي القصعة
مِنْ ذَهَبٍ
فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم . ولما كانت آنية الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل ، جرى على ذلك المعهود ، فعبر بجمع القلة في قوله :
وَأَكْوابٍ
جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له ، قد تفوق عن شيء منه اليد أو الشفقة أو يلزم منها بشاعة في شيء من دائر الكوز ، وإيذانا بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء لتزيد أوصافه عن أذى أو نحو ذلك . ولما رغب فيها بهذه المغيبات ، أجمل بما لا يتمالك معه عاقل عن المبادرة إلى الدخول فيما يخصها فقال :
وَفِيها
أي الجنة . ولما كانت اللذة محصورة في المشتهى قال تعالى :
ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة وغيرها جزاء لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا ، ولما كان ما يخص المبصرات من ذلك أعظم ، خصها فقال :
وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
من الأشياء المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم تعالى ، جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق . ولما كان ذلك لا يكمل طيبه إلا بالدوام ، قال عائدا إلى الخطاب لأنه أشرف وألذ مبشر لجميع المقبلين على الكتاب ، والملتفت إليهم بالترغيب في هذا الثواب ، بشارة لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسّلام بما قدمه في أول السورة وأثنائها من بلوغ قومه نهاية العقل والعلم الموصلين إلى أحسن العمل الموجب للسعادة :
وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ
لبقائها وبقاء كل ما فيها ، فلا كلفة عليكم أصلا من خوف من زوال ولا حزن من فوات . ولما كان التقدير : الجنة التي لمثلها يعمل العاملون ، عطف عليه قوله مشيرا إلى فخامتها بأداة البعد :
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ
أي العالية المقام
الَّتِي
ولما كان الإرث أمكن للملك ، وكان مطمح النفوس إلى المكنة في الشيء مطلقا لا يبعد ، بني للمفعول قوله تعالى :
أُورِثْتُمُوها
ولما كان ما حصله الإنسان بسعيه ألذ في نفسه لسروره بالتمتع به وبالعمل الذي كان من سببه ، قال تعالى :
بِما
وبين أن العمل كان لهم كالجبلة التي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 51 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي