تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
ذلك :
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ
أي أيها المخاطبون
لِلْحَقِّ كارِهُونَ *
لما فيه من المنع عن الشهوات فلذلك أنتم تقولون : إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط ، لا لأجل أن في حقيته نوعا من الخفاء . ولما كان هذا خبرا لا جواب فيه لظهور الدلائل وتعالي العظمة إلا الرجوع ، وكان من لا يرجع إنما يريد محاربة الإله الأعظم ، قال عادلا عن الخطاب إنزالا لهم بالغيبة منزلة البعيد الذي لا يلتفت إليه معادلا لما تقديره : أرجعوا لما ظهر لهم من الحق الظاهر
أَمْ أَبْرَمُوا
أي أحكموا
أَمْراً
في رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم . ولما كان سبحانه مطلعا بطية أمرهم وغائب سرهم ، سبب عما سأل عنه من إبرامهم ما دل على أنه عالم به وقد أبرم له قبل كونه ما يزيله ويعدمه ويحيله ، على سبيل التأكيد لإنكارهم أن يغلبوا فقال :
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ
أي دائما للأمور لعلمنا بها قبل كونها وقدرتنا واختيارنا ، تلك صفتنا التي لا تحول بوجه : العلم والقدرة والإرادة ، لم يتجدد لنا شيء لم يكن . ولما كان إصرارهم بين العزم على مجاهرة القدير بالمعاداة وبين معاملته وهو عليم بالمساترة والمماكرة في المعاداة والمباكرة والمسالمة والمناكرة قال تعالى :
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا
على ما لنا من العظمة المقتضية بجميع صفات الكمال
لا نَسْمَعُ
ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط بالخفي والجلي ، نسبة كل منهما إليه على السواء ، ذكرهما وقدم ما من شأنه أن يخفى وهو المكر المشار إليه بالإبرام ، لأن السياق له فقال تعالى :
سِرَّهُمْ
أي كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يعصينا ، ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى وهو يعم ما في الضمائر وهي مما يعلم ، حقق أن المراد به حقيقته بقوله :
وَنَجْواهُمْ
أي كلامهم المرتفع حتى كأنه على نجوة أي مكان عال ، فعلم أن المراد حقيقة السمع ، وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ولو لم يكن في قدرتنا نحن سماعه ، فنكون فيه كالأصم بالنسبة إلى ما نسمعه نحن من الجهر ولا يسمعه هو لفقد قوة السمع فيه ، لا لأنه مما من حقه ألا يسمع . ولما كان إنكار عدم السماع معناه السماع ، صرح به فقال :
بَلى
أي نسمع الصنفين كليهما على حد سواء
وَرُسُلُنا
وهم الحفظة من الملائكة على ما لهم من العظمة بنسبتهم إلينا . ولما كان حضور الملائكة معنا وكتابتهم لجميع أعمالنا على وجه لا نحس به نوع إحساس أمرا هو في غاية الغرابة ، قال معبرا بلدي التي يعبر بها عند