تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
لأنه لا خوف على من دخله ، فلما أمن كل حالّ به كان كأنه هو نفس الأمن ، وهو حرم مكة المشرفة ، وأمنه موجب للتوحيد والإخلاص ، رغبة في دوامه ، وخوفا من انصرامه ، كما كان الخوف في البحر موجبا للإخلاص خوفا من دوامه ، ورغبة في انصرامه
وَ
الحال أنه
يُتَخَطَّفُ
وبناه للمفعول لأن المقصود الفعل لا فاعل معين . ولما كان التخطف غير خاص بناس دون آخرين ، بل كان جميع العرب يغزو بعضهم بعضا ، ويغير بعضهم على بعض بالقتل والأسر والنهب وغير ذلك من أنواع الأذى ، قال :
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
أي من حول من فيه من كل جهة تخطف الطيور مع قلة من بمكة وكثرة من حولهم ، فالذي خرق العادة في فعل ذلك حتى صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من بالحرم متخطفا ومن حوله آمنا ، أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد . ولما تبين أنه لا وجه لشركهم ولا لكفرهم هذه النعمة الظاهرة المكشوفة ، تسبب الإنكار في قوله :
أَ فَبِالْباطِلِ
أي خاصة من الأوثان وغيرها
يُؤْمِنُونَ
والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه ، وجاء الحصر من حيث إن من كفر باللّه تبعه الكفر بكل حق والتصديق بكل باطل
وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ
التي أحدثها لهم من الإنجاء وغيره
يَكْفُرُونَ *
حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاة شركهم بعبادة غيره .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 68 إلى 69 ]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) ولما كان الظلم وضع الشيء في غير محله ، وكان وضع الشيء في موضع لا يمكن أن يقبله أظلم الظلم ، كان فعلهم هذا الذي هو إنزال ما لا يعلم شيئا ولا يقدر على شيء في منزلة من يعلم كل شيء ويقدر على كل مقدور أظلم الظلم ، فكان التقدير : فمن أظلم منهم في ذلك ، عطف عليه قوله :
وَمَنْ أَظْلَمُ
أي أشد وضعا للأشياء في غير مواضعها ، لأنه لا نور له بل هو في ظلام الجهل يخبط
مِمَّنِ افْتَرى
أي تعمد
عَلَى اللَّهِ كَذِباً
أي أيّ كذب كان من الشرك وغيره كما كانوا يقولون إذا فعلوا فاحشة : وجدنا عليها آباءنا واللّه أمرنا بها
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ
من هذا القرآن المعجز المبين ، على لسان هذا الرسول الأمين الذي ما أخبر خبرا إلا طابقه الواقع
لَمَّا
أي حين
جاءَهُ
من غير إمهال إلى أن ينظر ويتأمل فيما جاءه من الأمر الشديد الخطر . ولما كان التقدير : لا أحد أظلم منه ، بل هو أظلم الظالمين ، فهو كافر ومأواه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 579 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي