تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
شيء إذا أصابتهم مصيبة خافوا منها الهلاك
مُخْلِصِينَ
بالتوحيد
لَهُ الدِّينَ *
بالإعراض عن شركائهم بالقلب واللسان ، لما هم له محققون أنه لا منجى عند تلك الشدائد غيره
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ
أي اللّه سبحانه ، موصلا لهم
إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ
أي حين الوصول إلى البر
يُشْرِكُونَ *
فصح أنهم لا يعلمون ، لأنهم لا يعقلون ، حيث يقرون بعجز آلهتهم ويشركونها معه ، ففي ذلك أعظم التهكم بهم ؛ قال البغوي : قال عكرمة : كانوا إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام ، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا : يا رب ! يا رب . وقال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان ، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء - انتهى . فعلم أن الاشتغال بالدنيا هو الصادّ عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى المستقيمة ، ولهذا نجد الفقراء أقرب إلى كل خير . ولما كانوا مع هذا الفعل - الذي لا يفعله إلا مسلوب العقل - يدعون أنهم أعقل الناس وأبصرهم بلوازم الأفعال وما يشين الرجال ، وكان فعلهم هذا كفرا للنعمة ، مع ادعائهم أنهم أشكر الناس للمعروف ، قال مبينا أن عادتهم مخالفة لعادة المؤمنين في جعلهم نعمة النجاة سببا لزيادة طاعاتهم ، فعلم أنه ما كان إخلاصهم في البحر إلا صورة لا حقيقة لها :
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
على عظمتنا من هذه النعمة التي يكفي في عظمتها أنه لا يمكن غيرنا أن يفعلها ما أشركوا إلا لأجل هذا الكفر ، وإلا لكانوا فاعلين لشيء من غير قصد ، فيكون ذلك فعل من لا عقل له أصلا وهم يحاشون عن مثل ذلك
وَلِيَتَمَتَّعُوا
بما يجتمعون عليه في الإشراك من التواصل والتعاون ، وعند من سكن اللام - وهم ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع - يكون معطوفا تهديدا على مقدر هو « فليكفروا » أو على
لِيَكْفُرُوا
السابق ، على أن لامه للأمر ، وسيأتي في الروم إن شاء اللّه تعالى ما يؤيده
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *
بوعد لا خلف فيه ما يحل بهم بهذا الفعل الذي هو دائر بين كفر وجنون . ولما كان قد فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد في البر دون سائر العرب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر ، وكان قادرا على إخافتهم في البر كما قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم ، وكان كفرهم عند الأمن بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلا لا يفعله إلا من أمن مثل تلك المصيبة في البر ، توجه الإنكار في نحو أن يقال : ألم يروا أنا قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون على ذلك في البحر كما فعلنا بغيرهم ، فعطف عليه قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي بعيون بصائرهم
أَنَّا جَعَلْنا
أي بعظمتنا لهم
حَرَماً
وقال تعالى :
آمِناً