تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما ضر نفسه :
وَمَنْ جاهَدَ
أي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة
فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها ، ويشقيها ليسعدها ، ويميتها ليحييها ، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء ، وإنما طوى ما أدعى تقديره لأن السياق للمجاهدة ، ثم علل هذا الحصر بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
أي المتعالي عن كل شائبة نقص
لَغَنِيٌّ
وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن الحاجة ، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم ، وبين أن غناه الغنى المطلق بقوله موضع « عنه »
عَنِ الْعالَمِينَ *
فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية . ولما كان التقدير : فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ، ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء ، عطف عليه قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
تصديقا لإيمانهم
الصَّالِحاتِ
في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم ، وأشار بقوله :
لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول على النقص ، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت الكبائر ، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبي المختار صلّى اللّه عليه وسلّم ، وزاده فضلا وشرفا لديه ؛ قال البغوي : والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة ، أو لنغفرن لهم الشرك وما عملوا فيه ، وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه . ولما بشرهم بالعفو عن العقاب ، أتم البشرى بالامتنان بالثواب ، فقال عاطفا على ما تقديره : ولنثبتن لهم حسناتهم
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أي في الإسلام
أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا
أي كونا يحملهم على أتم رغبة
يَعْمَلُونَ *
أي أحسن جزاء ما عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه . و لما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة ، وحذر من كفر ، وبشر من صبر ، قال عاطفا على
وَلَقَدْ فَتَنَّا
مشيرا إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق تعظيم الخالق ، وإلى أنها أعظم فتنة :
وَوَصَّيْنَا
على ما لنا من العظمة
الْإِنْسانَ
أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من أحسن إليه ، فكيف بأعز الخلق عليه ، وذلك فتنة له
بِوالِدَيْهِ .
ولما كان التقدير : فقلنا له : افعل بهما
حُسْناً
أي فعلا ذا حسن من برهما وعطف عليهما ، عطف عليه قوله :
وَإِنْ جاهَداكَ
أي فعلا معك فعل المجاهد مع من يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك
لِتُشْرِكَ
وترك مظهر العظمة للنص على المقصود فقال :
بِي
ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة إلى خطر المقام