يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل - منها بالنهي عنها ، ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله :
أَنْ يَسْبِقُونا
أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له ، وفي الدار الآخرة بأن نحييهم بعد أن نميتهم ، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغرة داخرين ، فنجازيهم على ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم ، ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم .
ولما أنكر هذا ، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيما لإنكاره فقال :
ساءَ ما يَحْكُمُونَ *
أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلا لا يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضا ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا يرضونه لأنفسهم .
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 5 إلى 9 ]
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 5 ) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 6 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 )
ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين ، وضربهم بسوط القهر أجمعين ، أشار إلى التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضى :
مَنْ كانَ يَرْجُوا
عبر به لأن الرجاء كاف عن الخوف منه سبحانه
لِقاءَ اللَّهِ
أي الجامع لصفات الكمال ، فلا يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة ، وشبه البعث باللقاء لانكشاف كثير من الحجب به وحضور الجزاء .
ولما كان المنكر للبعث كثيرا ، أكد فقال موضع : فإنه آت فليحذر وليبشر ، تفخيما للأمر وتثبيتا وتهويلا :
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال المحتوم لذلك
لَآتٍ
لا محيص عنه ، فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد ، ولذلك عبر بالاسم الأعظم ، وللإشارة إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط بها العد ، ولا يحصرها حد ، فليعتد لذلك بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها ، وقال تعالى :
وَهُوَ
أي وحده
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *
حثا على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل .
ولما حث على العمل ، بين أنه ليس إلا لنفع العامل ، لئلا يخطر في خاطر ما