تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه ، ومن رؤوسهم صاحب أكثر السورة الماضية موسى عليه الصلاة والسّلام ، ففي قصته حديث طويل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي يعلى ، ومن آخر ما ابتلى به أمر قارون وأتباعه . ولما كان الامتحان سببا لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان ، فيكرم عنده أو يهان ، وأرشد السياق إلى أن المعنى : فلنفتننهم ، نسق به قوله :
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
أي الذي له الكمال كله ، بفتنة خلقه ، علما شهوديا كما كان يعلم ذلك علما غيبيا ، ويظهره لعباده ولو بولغ في ستره ، وعبر بالاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال التفاتا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تنبيها للناقصين - وهم أكثر الناس - على أنه منزه عن كل شائبة نقص ، وأكد إشارة إلى أن أكثر الناس يظن الثبات عند الابتلاء وأنه إذا أخفى عمله لا يطلع عليه أحد
الَّذِينَ صَدَقُوا
في دعواهم الإيمان ولو كانوا في أدنى مراتب الصدق ، وليعلمن الصادقين ، وهم الصابرون الدين يقولون عند البلاء
هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
فيكون أحدهم عند الرخاء برا شكورا ، وعند البلاء حرا صبورا ، وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ *
أي الراسخين في الكذب الذين يعبدون اللّه على حرف ، فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم ، فظنوا ، فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف منه البلاء ، والتعبير بالمضارع لتحقق الاختبار ، على تجدد الأعصار ، لجمعي الأخيار والأشرار ، فمن لم يجاهد نفسه عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء كان من الكافرين فكان في جهنم
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ *
ومن جاهد كان من المحسنين ، والآية من الاحتباك : دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا ، وبالكاذبين على الصادقين ، ذكر الفعل أولا دليلا على تقدير ضده ثانيا ، والاسم ثانيا دليلا على حذف ضده أولا . ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة في الدنيا ، عادله بما يستلزم مثل ذلك في الآخرة ، فكان حاصل ما مضى من الاستفهام : أحسب الناس أنا لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون في الأخرى ، فيذهب ظلمهم في الدنيا وتركهم لأمر اللّه وتكبرهم على عباده مجانا ، فيكون خلقنا لهم عبثا لا حكمة فيه ، بل الحكمة في تركه ، وهذا الثاني هو معنى قوله منكرا أم حسب ، أو يكون المعنى أنه لما انكر على الناس عموما ظنهم الإهمال ، علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم ، فكان الإنكار عليهم أشد ، فعادل الهمزة بأم في سياق الإنكار كما عادلها بها في قوله :
أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
[ البقرة : 80 ] الآية ، فقال :
أَمْ حَسِبَ
أي ظن ظنا يمشي له ويستمر عليه ، فلا يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه
الَّذِينَ