تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
ولما كان الساكت عن فاعل المنكر شريكا له ، قال مؤكدا تنبيها على الاهتمام بدرء المفاسد ، وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية :
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *
أي معدودا في عدادهم بترك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ساعة واحدة . ولما كان الكائن من قوم موصوفا بما اتصف به كل منهم ، وكانت مشاركتهم بالفعل أبعد من مشاركتهم بالسكوت ، قال من غير تأكيد :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ
أي الجامع لجميع صفات الكمال
إِلهاً
ولما كانت النكرة في سياق النهي تعم كما لو كانت في سياق النفي ، وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو باسم اللّه واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسراء ، قال :
آخَرَ
أي غير اللّه حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات ، ومضى في آخر الحجر ، ويأتي إن شاء اللّه تعالى في الذاريات ما يتضح به هذا المعنى ، والمراد بهذا كله المبالغة في الإنذار إعلاما بأن تارك النهي عن المنكر مع القدرة شريك للفاعل وإن لم يباشره ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قادر لحراسة اللّه تعالى له ؛ ثم علل ذلك بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي حتى يستحق أن يشتغل به عبد ؛ ثم علل وحدانيته بقوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ
أي هو في قوة الهلاك والفناء ومستحق لذلك لأنه ممكن
إِلَّا وَجْهَهُ
أي هو ، فهو الباقي لأنه الواجب الوجود ، ووجود كل موجود إنما كان به ، ولعله عبر عن الذات بالوجه ليشمل ما قصد به من العمل الصالح مع ما هو معروف من تسويغه لذلك بكونه أشرف الجملة ، وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة بالاستحياء وما في معناه ؛ ثم علل ذلك بقوله :
لَهُ
أي للّه وحده فالضمير استخدام
الْحُكْمُ
أي العمل المحكم بالعلم النافذ على كل شيء ، ولا حكم لشيء عليه
وَإِلَيْهِ
وحده
تُرْجَعُونَ *
في جميع أحوالكم : في الدنيا بحيث إنه لا ينفذ لأحد مراد إلا بإرادته ، وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والعاصي بعصيانه ، ولا شك أن هذه الأوامر والنواهي وإن كان خطابها متوجها إليه صلّى اللّه عليه وسلّم فالمقصود بها أتباعه ، ولعلها إنما وجهت إليه صلّى اللّه عليه وسلّم عليه لأن أمر الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول ، وقد اتضح بهذا البيان ، في هذه المعاني الحسان ، أن هذا الكتاب مبين ، وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل الضعف من بني إسرائيل دون ما أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو بطاعة الماء والتراب وما جمع العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم على ما يريد ويختار ، فصح أن إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فقد انطبق آخر السورة على أولها ، وانشرح مجملها بمفصلها .