تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
على رده
إِلَيْكَ الْكِتابُ
أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه ، ولا كان هذا من شأنك ، ولا سمعه أحد منك يوما من الأيام ، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام ، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ
[ العنكبوت : 48 ] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم ، وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال :
إِلَّا
أي لكن ألقي إليك الكتاب
رَحْمَةً
أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك ، لم تكن ترجوها
مِنْ رَبِّكَ
أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك ، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه ، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن الفواحش جميعا ، ومن الانقطاع إلى اللّه بالخلوة معه والتعبد له توفيقا من اللّه كان حال من يرجو ذلك . ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر اللّه طمعا فيما عنده سبحانه من الثواب ، وشكرا على إنزال الكتاب ، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم ، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم :
فَلا تَكُونَنَّ
إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم
ظَهِيراً
أي معينا
لِلْكافِرِينَ *
بالمكث بين ظهرانيهم ، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم ، يأسا منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك ، لا تمل أنت كما لم نمل نحن ، فقد وصلنا لهم القول ، وتابعنا لهم الوعظ والقص ، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة ، وهدايتهم في أقل لمحة ، وكما أن موسى عليه الصلاة والسّلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيرا للمجرمين ، وهذا تدريب من اللّه تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى اللّه عند كثرة المخالف ، وقلة الناصر الملازم المحالف . ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضا عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهدا في العمل ، قال مؤكدا تنبيها على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء :
وَلا يَصُدُّنَّكَ
أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم
لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى
ونحوه
عَنْ آياتِ اللَّهِ
أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال ، في الأوقات الكائنة
بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ
أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهيا
إِلَيْكَ
مما ترى من أوامرها ونواهيها ، ولقد بين هذا المعنى قوله :
وَادْعُ
أي أوجد الدعاء للناس
إِلى رَبِّكَ
أي المحسن إليك لإحسانه إليك ، وإقباله دون الخلق عليك ، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جدا ، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطبا من درء المفاسد ، فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب .