البلد الذي ذكر في هذه السورة - توطئة لهذه الآية - أنه خرج منه خائفا يترقب - وهي مصر - إلى مدين في أطراف بلاد العرب ، على وجه أهلك فيه أعداءه ، أما من كان من غير قومه فبالإغراق في الماء ، وأما من كان من قومه فبالخسف في الأرض ، وأعز أولياءه من قومه وغيرهم ، كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفا تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك - لكونك نبي الرحمة ، وكون خروجك لم يكن مسببا عن قتل أحد منهم - لا يكون فيه هلاكهم ، بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم ، واختير لفظ القرآن دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم النشر - كما مضى في الحجر ، فناسب السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل ، فإنه روى أن هذه الآية نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الجحفة وهي في طريق الهجرة .
ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثم من يبالغ في النفي والإنكار على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول : إن الأمر ليس كذلك ، ولا يعود إلى مكة المشرفة ومنا عين تطرف ، قال مهددا على طريق الاستئناف على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم لكون الإنكار تكذيبا له كما كذب موسى صلّى اللّه عليه وسلّم حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم :
قُلْ
أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به :
رَبِّي
أي المحسن إليّ
أَعْلَمُ
أي من كل أحد .
ولما كانت هذه قصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق ، وكانوا يقولون : من ادعى رجوعه فهو ضال ، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال ، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال ، والسادة الأقيال ، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام :
مَنْ جاءَ بِالْهُدى
أي الذي لا أبين منه ، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد اللّه لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم ؟
وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ
أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أم أنا
مُبِينٍ *
أي بين في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره .
ولما كان الجواب لكل من أنصف : هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا دليل لهم عليه ، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن اللّه ، بني عليه قوله :
وَما
ويجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير في
عَلَيْكَ
وما بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد ، أي فرضه عليك والحال أنك ما ، ويجوز أن يقال : لما كان رجوعه إلى مكة في غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار ، قربه بقوله معلما أن كثيرا من الأمور تكون على غير رجاء ، بل وعلى خلاف القياس : وما
كُنْتَ تَرْجُوا
أي في سالف الدهر بحال من الأحوال
أَنْ يُلْقى
أي ينزل على وجه لم يقدر